أبا عبد اللّه عليه السّلام أربعين ليلة جمعة ، قال : فكنت أزوره من الحلّة في ليالي الجمع إلى أن بقي واحدة فذهبت من الحلّة في يوم الخميس ، فلمّا وصلت إلى باب البلد ، فإذا جماعة من أعوان الظلمة يطالبون الواردين التذكرة ، وما كان عندي تذكرة ولا قيمتها ، فبقيت متحيّرا والناس متزاحمون على الباب فأردت مرارا أن أتخفّى وأجوز عنهم ، فما تيسّر لي ، وإذا بصاحبي صاحب الأمر عليه السّلام في زيّ لباس طلبة الأعاجم عليه عمامة بيضاء في داخل البلد ، فلمّا رأيته استغثت به فخرج وأخذني معه ، وأدخلني من الباب فما رآني أحد فلمّا دخلت البلد افتقدته من بين الناس ، وبقيت متحيّرا على فراقه عليه السّلام « 1 » .
( 1 )
الحكاية التاسعة عشرة ؛ حكاية العلامة بحر العلوم في مكة ولقائه الحجة عليه السّلام :
حكى العالم الجليل المولى زين العابدين السلماسي عن ناظر أمور العلامة بحر العلوم في ايّام مجاورته بمكة ، قال : كان رحمه اللّه مع كونه في بلد الغربة منقطعا عن الأهل والاخوة قويّ القلب في البذل والعطاء غير مكترث بكثرة المصارف ، فاتّفق في بعض الايّام أن لم نجد إلى درهم سبيلا ، فعرّفته الحال وكثرة المؤنة وانعدام المال ، فلم يقل شيئا .
وكان دأبه أن يطوف بالبيت بعد الصبح ويأتي إلى الدار ، فيجلس في القبة المختصّة به ، ونأتي إليه بغليان فيشربه ثم يخرج إلى قبّة أخرى تجتمع فيها تلامذته من كلّ المذاهب فيدرس لكلّ على مذهبه .
( 2 ) فلمّا رجع من الطواف في اليوم الذي شكوته في أمسه نفود النفقة وأحضرت الغليان على العادة فإذا بالباب يدقّه أحد فاضطرب أشدّ الاضطراب وقال لي : خذ الغليان وأخرجه من هذا المكان وقام مسرعا خارجا عن الوقار والسكينة والآداب ، ففتح الباب ودخل شخص جليل في هيئة الأعراب وجلس في تلك القبّة وقعد السيد عند بابها في نهاية الذلّة والمسكنة وأشار إليّ أن لا أقرّب إليه الغليان .
هامش
( 1 ) راجع البحار ، ج 53 ، ص 292 ، الحكاية السابعة والأربعون .