قريش قد اجتمعوا في الكعبة ، فدار بينهم الحديث حول الصحيفة ، فإذا بأبي طالب خارج من الشعب مع ثلّة من قومه ، ودخل الكعبة وجلس ، فظنّ أبو جهل أن أبا طالب قد نفذ صبره مما لاقاه من المشاق والمصائب وجاء ليسلّم ابن أخيه . . . ( 1 ) فابتدأ أبو طالب بالكلام وقال :
قد جئتكم في أمر لعلّ الصلاح يكون فيه ، فانّ ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني انّ اللّه عز وجل قد بعث على صحيفتكم الأرضة ، فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وتركت اسم اللّه ، فابعثوا إلى صحيفتكم فإن كان صادقا فارجعوا عمّا أنتم عليه من الظلم والجور ، وان كان كاذبا فلكم عليّ أن أدفعه إليكم تقتلوه .
فلمّا أتوا بها من أم الجلاس ، وفتحوها لم يجدوا فيها حرفا واحدا الّا « باسمك اللهم » . . .
فأخذها مطعم بن عدي وخرقها وقال : نحن برآء من هذه الصحيفة القاطعة العادية الظالمة ، فرجع أبو طالب إلى الشعب .
وجاءه في اليوم الثاني الخمسة الذين تقدّم ذكرهم مع رهط من قريش ، فأخرجوا بني عبد المطلب من الشعب واسكنوهم بيوتهم لكن المشركين لم يكفّوا آذاهم عن المسلمين بعد ذاك ، ولاقى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله منهم ما لا يناسب ذكره هذا المختصر .
( 2 ) وفي عام ( 6213 ) توفّى أبو طالب وخديجة ، اما أبو طالب فاتفقت وفاته في ستّة وعشرين من رجب في أواخر السنة العاشرة من البعثة ، فبكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في هذه المصيبة وكان يتّبع جنازته ويقول : « وصلت رحما وجزيت خيرا يا عمّ » .
( 3 ) امّا جلالة أبي طالب ونصرته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وفضائله فهي أكثر من أن تحصى في هذا المختصر ، وسنذكر في فصل أقرباء النبي صلّى اللّه عليه وآله نبذة منها . . .
وامّا خديجة ( رضي اللّه عنها ) فإنها توفت بعد ثلاثة أيام من وفاة أبي طالب وقيل بعد خمسة وثلاثين يوما ، ودفنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بيده في حجون مكة . . . واغتمّ النبي بعد وفاتها كثيرا حتى قلّ خروجه من الدار وسمّي ذلك العام بعام الحزن .
« قال أمير المؤمنين عليه السّلام في رثائهما :
منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع ) — صفحة 118
مساهمون: الشيخ عباس القمي
ص١١٨