فلمَّا بلغ شعرُه معاوية ، دعا عَمْرو بن العاص ، فقال : ما ترى في شتْم الأنصار ؟
قال : أرى أن تُوعِد ولا تشتُم ، ما عسى أنْ نقول لهم ؟ إذا أردتَ ذمَّهم فذُمَّ أبدانَهم ولا تذمَّ أحسابهم .
قال معاوية : إنَّ خطيب الأنصار قَيْسَ بن سَعْد يقوم كلَّ يوم خطيباً ، وهو واللَّه ، يريد أن يُفنِينا غداً إن لم يحبِسْه عنَّا حابس الفيل ، فما الرَّأي ؟
قال : الرَّأي التَّوكل والصَّبر . « 1 »
6 - [ سأل يوماً معاويةُ النُّعْمانَ بن بَشير أن يخرج إلى قَيْس ويعاتبه ويسأله السلم ، ] فخرج النُّعْمان حَتَّى وَقَف بين الصَّفّين ، فقال : يا قَيْس ، أنا النُّعْمان بن بشير .
فقال قَيْس : هِيه يا ابن بشير ، فما حاجتُك ؟
فقال النُّعْمان : يا قَيْس إنَّه قد أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنَفْسه ، ألسْتُم معشر الأنصار ، تعلمون أنَّكم أخطأتم في خذْل عثمانَ يوم الدَّار ، وقَتلتمْ أنصارَه يوم الجمل ، وأقحمتم خيولَكم على أهل الشَّام بصفِّين ، فلو كنتم إذْ خذلتُم عثمانَ خذَلْتم عليّا لكانت واحدة بواحدة ، ولكنَّكم خذلتم حَقَّاً ونصرتُم باطلًا ، ثُمَّ لم ترضوا أن تكونوا كالنَّاس ، حَتَّى أعلَمْتُم في الحرب ، ودعوتم إلى البراز ، ثُمَّ لم ينزِل بعليٍّ أمرٌ قطُّ إلَّا هَوَّنتم عليه المُصِيبة ، ووعدتموه الظَّفر ، وقد أخذت الحربُ منَّا ومنكم ما قد رأيتم ، فاتَّقوا اللَّه في البقيَّة .
فضحك قَيْس ، ثُمَّ قال : ما كنتُ أراك يا نُعْمان تجترِئُ على هذه المقالة ، إنَّه لا ينصح أخَاه مَن غشَّ نفسه ، وأنتَ واللَّه الغاشُّ الضَّالّ المضلّ .
هامش
( 1 ) . وقعة صفِّين : ص 445 - 447 ، الغدير : ج 2 ص 80 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 8 ص 84 .