يا أمير المؤمنين ، ما على الأرض أحد أحبّ إلينا أن يقيم فينا منك ، لأنَّك نجمنا الَّذي نهتدي به ، ومفزعنا الَّذي نصير إليه ، وإن فقدناك لتُظْلِمَنّ أرضُنا وسماؤنا ، ولكن واللَّه ، لو خلّيتَ معاوية للمكر ، لَيرومَنَّ مصر ، ولَيُفسِدَنَّ اليمنَ ، ولَيطْمَعَنَّ في العراق ، ومعه قوم يمانيّون قد أُشربوا قتل عثمان ، وقد اكتفوا بالظَّنّ عن العلم ، وبالشكِّ عن اليقين ، وبالهوى عن الخير ، فسر بأهل الحجاز وأهل العراق ، ثُمَّ ارمه بأمر يضيق فيه خناقهُ « 1 » ، ويقصر له من نفسه .
فقال عليه السلام :
« أَحسنْتَ واللَّهِ ، يا قَيْسُ »
. « 2 »
5 - دعا معاوية يوماً النُّعْمان بن بَشير بن سَعْد الأنْصاريّ ، ومَسْلَمَة بن مخلّد الأنْصاريّ ، ولم يكن معه من الأنصار غيرهما ، فقال :
يا هذان ، لقد غمَّني ما لقيت من الأوس والخَزْرَج ، صاروا واضعِي سيوفهم على عواتقهم يدعُون إلى النِّزال ، حَتَّى - واللَّه - جبَّنوا أصحابي ، الشُجاع والجبان ، وحتى - واللَّه - ما أسأل عن فارس من أهل الشَّام إلَّا قالوا قتلتْه الأنصار . أمَا واللَّه ، لألقينَّهم بحَدِّي وحديدي ، ولأُعبِّيَنَّ لكلِّ فارسٍ منهم فارساً ينشَبُ في حلْقِه ، ثُمَّ لأرمينَّهم بأعدادهم من قريش ، رجال لم يغْذُهُم التَمرُ والطَفَيْشَل « 3 » ، يقولون نحن الأنصار ، قد واللَّه ، آوَوْا ونَصَروا ، ولكن أفسدوا حقَّهم بباطلهم .
[ فأجابه النُّعْمانُ ومَسْلَمَةُ ] . . . وانتهى الكلامُ إلى الأنصار ، فجمع قَيْسُ بن سَعْد الأنْصاريّ الأنصارَ ، ثُمَّ قام خطيباً فيهم ، فقال : إنَّ معاوية قد قال ما بَلَغكم ، وأجاب عنكم صاحباكم ، فلعَمري لئن غظتم معاوية اليوم لقد غظتموه بالأمس ، وإن
هامش
( 1 ) هم في خُناق : أي في ضيق ( النهاية : ج 2 ص 85 ) .
( 2 ) . الأمالي للطوسي : ص 716 ح 1518 ، الغدير : ج 2 ص 75 .
( 3 ) الطّفيشل : نوع من اطرق معروف ( تاج العروس : ج 15 ص 437 ) .