فنزل عن جواده ، وجعل يتخطّى القتلى ، فوقع نظره على جسد الحسين عليه السلام فاحتضنه وهو يبكي ويقول : يا أبتاه ! بقتلك قرّت عيون الشامتين ! يا أبتاه ! بقتلك فرحت بنو أميّة ! يا أبتاه ! بعدك طال حزننا ! يا أبتاه ! بعدك طال كربنا !
قال ثمّ إنّه مشى قريباً من محلّ جثّته فأهال يسيراً من التراب ، فبان قبر محفور ولحد مشقوق ! فأنزل الجثة الشريفة وواراها في ذلك المرقد الشريف كما هو الآن .
قال ثمّ إنّه عليه السلام جعل يقول : هذا فلان ، وهذا فلان .
هذا والأسديّون يوارونهم ، فلمّا فرغ مشى إلى جثّة العبّاس بن أمير المؤمنين عليهما السلام فانحنى عليها وجعل ينتحب ويقول : يا عمّاه ! ليتك تنظر حال الحرم والبنات وهنَّ ينادين : واعطشاه ! واغربتاه !
ثمّ أمر بحفر لحده وواراه هنا ، ثمّ عطف على جثث الأنصار وحفر حفيرة واحدة وواراهم فيها ، إلّا حبيب بن مظاهر حيث أبى بعض بني عمّه ذلك ، ودفنه ناحية عن الشهداء .
قال فلمّأ فرغ الأسديون من مواراتهم قال لهم : هلمّوا لِنُوَارِ جثّة الحرّ الرياحي .
قال فتمشى وهم خلفه حتى وقف عليه فقال : أمّا أنت فقد قبل اللّه توبتك وزاد في سعادتك ببذلك نفسك أمام ابن رسول اللّه صلى الله عليه وآله .
قال وأراد الأسديّون حمله إلى محلّ الشهداء فقال : لا ، بل في مكانه واروه .
قال فلمّا فرغوا من مواراته ركب ذلك الفارس جواده ، فتعلّق به الأسديّون ، فقالوا بحقّ من واريته بيدك ! من أنت ؟
فقال : أنا حجّة اللّه عليكم ، أنا عليّ بن الحسين عليه السلام ، جئت لأواري جثّة أبي ومن معه من إخواني وأعمامي وأولاد عمومتي وأنصارهم الذين بذلوا مهجهم دونه ، وأنا الآن راجع إلى سجن ابن زياد لعنه اللّه ، وأمّا أنتم فهنيئاً لكم ، لا تجزعوا إذ تُضاموا فينا !
مع الركب الحسيني — صفحة 146
مساهمون: مجموعة مؤلفين
ص١٤٦