حوله الملائكة في صورة الرّجال ، وسمع قائل يقول : خذوه واحجبوه عن إدراك الأعين الحسّية . وبعد ذلك قيل : أين ذهبتم به ، فقال : إلى مشارق الأرض ومغاربها أسرع من خطرة بال ، وحفظت السماء من استراق السمع ونزلت إليه سرجها الكوكبيّة ، وانصدع إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة في الحال ، وخمدت نار الفرس وغاضت بحيرة طبريّة ، وفاض وادي سماوة بالمياه العذبة وسال .
اللّهمّ صلّ على الفاتح لما أغلق من التعيّنات العينيّة
والخاتم لما سبق منها في علم ذي الجلال
وخرج معه نور أضاء منه الأفق حتى رأت أهل البطحاء القصور الشاميّة والقيصرية ، واستدعت أمه جدّه عبد المطلب من الطّواف فحضر باستعجال ، ووجد رجلا بالباب فقال له : قف حتى تتم زيارة الملائكة النّورانية ، وبعد حين دخل عليه فلما رآه سرّه وبلغ به منتهى الآمال ، ثم أخذه ودخل به الكعبة وقام داعيا بالدّعوات الخيرية ، ثم رجع به صلى اللّه عليه وسلم فإذا بمناد من حضرة الكبير المتعال قائلا : معاشر الخلائق هذا صفيّي محمد بن عبد اللّه صفوة البريّة ، طوبى لثدي أرضعه ولعبد كفله فاحترام وإجلال .
فتزاحمت عليه حينئذ السّحب والطيور والملائكة الروحانية ، وطلب كلّ كفالته ورضاعه حتى يجاوز سنّ الأطفال ، ثم فاز برضاعه وكفالته الأشخاص الإنسيّة ، فظهرت مزيّة بني آدم كما ظهرت بظهورهم على شكله في المثال .
اللّهمّ صلّ على الفاتح لما أغلق من التعيّنات العينيّة
والخاتم لما سبق منها في علم ذي الجلال
ثم بعد أن أرضعته أمّه أرضعته ثويبة الأسلميّة التي أعتقها أبو لهب حين بشّرته به قبل النساء والرجال ، ثم ساقت يد اليمن والسّعد إليه حليمة السّعديّة ، فوضعت يدها على صدره فتبسّم وصعد منه نور شقّ أرجاء السماء في الحال . فرفعته وناولته ثديها الأيمن وقبله لم يكن فيه ما يغذّي ابنها بالكلّيّة . فدرّ في الحال فأرواه ثم حوّلته إلى ثديها الشّمال ، فأعرض عنه وتركه لأخيه عدلا وإنصافا من نشأته الرّحموتية ، وكان معها زوجها ومعهما شاة لا تبضّ بقطرة لبن من شدّة الجهد والهزال فحلبوها فأروتهم وذلك من إرهاصاته الجليّة فرجعت به إلى أهلها بغبطة وسرور واحتفال ، وأذن اللّه للأرض أن
مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى — صفحة 218
مساهمون: عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى
ص٢١٨