تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
وأما كونه أبا فليس بمحسوس البتة ؛ إذ ليس منه في نفسنا رسم وخيال وشبح بوجه من الوجوه ، بل العقل يدرك بمقايسة إلى ابنه إضافة الأبوة . وهذا بخلاف المقدار والعدد والوضع والحركة والسكون والقرب والبعد والمماسة والمباينة ، فإنها وإن كانت غير محسوسة بانفرادها ، لكنها محسوسة بشرط الإحساس بشيء آخر ؛ كاللون والضوء في الإبصار ، والحرارة والرطوبة في اللمس ، وغيرها في غيرهما ، والشيء الذي يتوقف الإحساس به على الإحساس بشيء آخر لا يخرج عن أن يكون في ذاته محسوسا ، بل المحسوس بالذات ما لا واسطة له في العروض ، لا ما لا واسطة له في الثبوت ، كما حقق ذلك في بيان العوارض الذاتية في علم الميزان . والحاصل أن كل ما يقال أنه محسوس ، فإما أن يكون بحيث يحصل منه عند الحس أو لا يحصل ، فإن لم يحصل فهو المحسوس بالعرض ، وإن حصل فلا يخلو ، إما أن يتوقف الإحساس به على الإحساس بشيء آخر ، أو لا يتوقف ، فالأول هو المحسوس ، والثاني هو المحسوس الأول . أقول : هذا بحسب جليل النظر ، وأما بحسب النظر الدقيق ، فالمحسوس بالذات هو الصورة الحاضرة عن النفس ، أي الأمر الخارجي المطابق لها . وإذا عرفت ذلك فنقول : إن البصر يحس بالعظم ، والعدد والشكل والوضع والحركة والسكون ، بتوسط اللون . وقال قوم : إن الحركة غير محسوسة ، وإن السكون غير محسوس . واحتجوا على الأول بأن الجالس على سفينة جارية لا يحس بحركتها ، وإن كانت في غاية السرعة . وعلى الثاني بأن السكون أمر عدمي فكيف يحسّ به ؟ واعلم أن معنى كون الحركة والسكون محسوسين ، أن العقل بإعانة الحس يدركهما ؛ فإن الحس يدرك الجسم ، تارة قريبا من شيء ، وتارة بعيدا ، وهكذا على التدريج فيحكم العقل بأن ذلك الجسم متحرك خارج من القوة إلى الفعل . وأما معنى خروج الشيء من القوة إلى الفعل ، فليس من مدركات الحس ؛ لأنه أمر نسبي إضافي . وكذا الحس يدرك جسما واقفا في مكانه غير زائل ، فالعقل يحكم باتصافه بالاستقرار وعدم الانتقال ، وليس للحس أن يدرك استقرار الجسم أو غير انتقاله وزواله عن المكان الأول ؛ لأن الأول إضافي والثاني عدمي ، وشيء من الأمور الإضافية والعدمية ليس من مدركات الحس ؛ ولذاك راكب السفينة ، لما لم يدرك حسه باختلاف أوضاع السفينة وقربها وبعدها بالنسبة إلى جسم آخر خارج عنه ، لم يشعر بالحركة ، فيشبه أن يكون إدراك الحركة والسكون أمرا ذهنيا بشركة الحس كالبصر " ( الأسفار ، ج 8 ، ص 200 - 203 ) .

إحياء الموتى :

يقصد صدر المتألهين منه إحياء النفوس المعرّضة للهلاك والزوال ، أو التي هلكت