يقول صدر المتألهين : " إن النفس حاملة للبدن ، لا البدن حامل لها ، كما ظنه أكثر الخلق ؛ حيث قرع أسماعهم أنها زبدة العناصر وصفوة الطبائع ، وظنوا أيضا أن النفس تحصل من الجسم ، وأنها تقوى بقوة الغذاء ، وتضعف بضعفه ، وليس كما توهموه ، إنما النفس تحصّل الجسم وتكوّنه ، وهي الذاهبة به إلى الجهات المختلفة ، وهي معه ومع قواه وأعضاء تدبره حيث ما أرادت ، وتذهب به حيث ما شاءت من هبوط إلى أسفل أو صعود إلى فوق ؛ بحيث يمكنه مع كثافة البدن وثقله ؛ فمتى أرادت صعوده تصير صاعدا ويتبدل ثقله خفة ، وإذا أرادت هبوطه يهبط وتتبدل خفته ثقلا ، وأما الطلوع إلى عالم السماء والسعداء ، فلا يمكنها أن ترقى إلى هناك بهذه الجثة الكثيفة . . . كما أن الطلوع إلى جنة المقربين وصقع الكاملين لا يتيسر لها إلا إذا انفصلت عن علوق الأبعاد والأجرام .
والغرض من هذا الكلام أن النفس لترقيها إلى هذه المعارج أجلّ من أن تتبع البدن في وجودها ، بل البدن من توابع وجودها في بعض المراتب السفلية ، وبهذا الأصل ينفسخ مذهب التناسخ ، ومذهب من يرى أن منشأ انقطاع النفس عن هذا البدن بالموت الطبيعي هو انتهاء قوة البدن ، ونفاذ حرارته الغريزية . . . بل الحق أن النفس تنفصل عن البدن بسبب استقلالها في الوجود على التدريج ، وتنقطع شيئا فشيئا من هذه النشأة الطبيعية إلى نشأة ثانية ، لما مر من إثبات الحركة الذاتية للوجود في الجواهر المتعلقة بالمواد الهيولانية . وكلما قويت النفس وقلّت إفاضة القوة منها على البدن ؛ لانصرافها عنه إلى جانب آخر ، ضعف البدن وقواه ونقص وذبل ذبولا طبيعيا ، حتى إذا بلغت غايتها في الجوهر ومبلغها من الاستقلال ينقطع تعلقها عن البدن بالكلية ، وتدبيرها إياه ، وإفاضتها عليه ، فعرض موت البدن . وهذا هو الأجل الطبيعي دون الأجل الاخترامي الذي بسبب القواطع الاتفاقية " ( الأسفار ، ج 2 ، السفر الرابع ، ص 47 - 52 ) .
ويقول أيضا : " وبما أن بنية البدن تضعف وتزول قدرته بالتدريج ، عندها يصبح عاجزا عن تلبية الحاجيات الحياتية العادية ؛ لذلك تنفصل الروح عنه وتلتجئ إلى عالم المجردات في هذه الأثناء ، فإن الحوادث التي تقع للبدن ، والتي تؤدي إلى رحيل الروح ، فإنها تعجل من موت الإنسان ؛ حيث يقال لهذا النوع من الموت : الموت الاخترامي . " وقد ذكر صدر المتألهين لهذه المسألة مثالا وقال : فرضا لو كنت تعلم أن السفينة ستهلك ، وأن هلاكها محتمل من جهتين ، إما من جهة فساد جرمها وبدنها وخرقها ؛ حيث إن السفينة ، وبعد مدة من الزمن ، تصبح في معرض التخريب والفساد ، فتدخل المياه إليها وتحطمها .
الجهة الأخرى التي تؤدي إلى هلاك السفينة هو هبوب رياح قوية ، وحصول تيارات هوائية تؤدي إلى سيرها بشكل غير منظم ، وبالتالي دخول المياه إليها وتحطمها وهلاك ركابها . فهذا العمل هو عمل اختراعي وليس طبيعيا . وقد تحدثوا بهذه الأمور أيضا حول النفس ، فإذا قوي جوهرها واشتدت حرارتها الغريزية ، فهذا يؤدي إلى ضعف البدن وعدم تمكنه من حمل هذه النفس ، فتزول قواه وأدواته . . . ( الأسفار ، ج 1 ، السفر الرابع ، ص 55 ) .
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 60
مساهمون: السيد جعفر السجادي
ص٦٠