والتعقل هو إدراك للشيء من حيث ماهيته وحده ، لا من حيث شيء آخر ، سواء أخذ وحده أو مع غيره من الصفات المدركة على هذا النوع من الإدراك . وكل إدراك لا بد فيه من تجريد ، فهذه إدراكات مترتبة في التجريد الأول مشروطة بثلاثة أشياء : حضور المادة عند آلة الإدراك ، واكتناف الهيئات ، وكون المدرك جزئيا ، والثاني مجرّد عن الشرط الأول ، والثالث مجرد عن الأولين ، والرابع عن الجميع .
واعلم أن الفرق بين الإدراك الوهمي والعقلي ليس بالذات ، بل أمر خارج عنه وهو الإضافة " ( الأسفار ، ج 3 ، السفر الأول ، ص 360 ) .
الأدوار والأكوار :
يطلق على سير الموجودات في مراحلها الوجودية من المبدأ الوجودي إلى الفناء المحض أدوار الكون والأكوار .
وقد يستعملون هذا الاصطلاح بمعنى آخر ، هو أن موجودات العالم تصل إلى فنائها بعد قطعها مراحل ومراتب الكمال والسير الوجودي ، ومن ثم تبدأ دورة أخرى من جديد .
أجرى بعض التناسخية هذه العقيدة على كافة موجودات العالم ، واعتبر أنه بعد انقضاء قرون وسنوات طويلة ( الظاهر أنه ثلاثة مائة وستون ألف سنة ) ، فإن موجودات عالم الطبيعة ، وبعد قطعها مراحل الكمال الوجودي ، تصل إلى الفناء المقدر لها في لوح القدر ، ثم تبدأ من جديد مرحلة أخرى : واعتبروا أن هذه المرحلة هي القيامة الكبرى وهي نهاية الحياة الدنيوية ، وقالوا : إن الصور الموجودة في لوح القدر والمحو والإثبات تصل إلى نهايتها ، ثم يصور في لوح القدر والمحو والإثبات من جديد ما يجب أن يقع في العالم من حوادث ؛ حيث تبدأ الدنيا مرحلة جديدة .
الإرادة :
الإرادة صفة تختص ببعض الموجودات الحية ، تؤدي إلى وقوع بعض الأضداد دون غيرها ، وفي زمن دون زمن آخر ، على الرغم من استواء القدرة بالنسبة لكافة الأضداد .
اعتبر صدر المتألهين أن الإرادة والكراهة الموجودتين في الحيوان وفي الإنسان - باعتباره حيوانا - هي من الكيف النفساني ؛ كسائر الكيفيات النفسانية ، وهي من الأمور الوجدانية ، كسائر الوجدانيات ، مع العلم أن الاطلاع على كنههما غاية الصعوبة : " الإرادة والكراهة في الحيوان وفينا بما نحن حيوان كيفية نفسانية " . واعتبر صدر المتألهين أن الإرادة في كافة الموجودات - ذات الإرادة - ليست بمعنى واحد بل هي تابعة لكيفية وجودها ، وكما أن حقيقة الوجود مختلفة فالإرادة أيضا مختلفة ، ومن هذه الجهة تكون الإرادة كالوجود ، لا بل هي عين الوجود فيكون الاطلاع على كنهها في غاية الصعوبة .
وبشكل عام ، فالإرادة كالعلم ، والعلم كالوجود ، لا بل هو عين الوجود كما سنوضح لاحقا ( ملا صدرا ، المبدأ والمعاد ، ص 237 ) .