تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
وكلما أراد الإنسان القيام بعمل ما ، يجب أن يكون عنده علم به ، وهو عبارة عن تصوره والتصديق بفائدته ، ثم يأتي في المرحلة اللاحقة الإرادة والعزم والشوق والميل وحركة الأعضاء . وتوضيح ذلك : إننا كلما أردنا القيام بعمل ، فنتصوره بداية ، ثم نتطلع إلى الفوائد التي تعود منه إلينا ، ونلتفت إلى منافعه ومضاره ، وبعدها يحصل عندنا عزم على القيام به أو تركه ، فيحصل الشوق المؤكد ، ثم تتحرك العضلات بعدها للقيام به .

في شمول إرادته لجميع الأفعال :

" هذه المسألة أيضا من جملة المسائل الغامضة الشريفة ، قلّ من اهتدى إلى مغزاها وسلك سبيل جدواها ، واختلفت فيه الآراء وتشعبت فيه المذاهب والأهواء ، وتحيرت فيه الأفهام ، واضطربت فيه آراء الأنام ، فذهبت جماعة ، كالمعتزلة ومن يحذو حذوهم ، إلى أن الله ( تعالى ) أوجد العباد وأقدرهم على تلك الأفعال ، وفوّض إليهم الاختيار ، فهم مستقلون بإيجاد تلك الأفعال على وفق مشيئتهم وطبق قدرتهم . وقالوا : إنه أراد الإيجاد وهو متعال عن الشريك في الخلق والإيجاد ، فيفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، لا علة لفعله ولا رادّ لقضائه - لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون ، ولا مجال للعقل في تحسين الأفعال وتقبيحها بالنسبة إليه ، بل يحسن صدور كلها عنه ، والأسباب المشاهدة ؛ كالأفلاك والكواكب وأوضاعها لصدور الحوادث الأرضية ، وأشخاص الإنسان والحيوان لصدور أفاعيلها وحركاتها ، هي مما ارتبط بها وجود الأشياء بحسب الظاهر لا بحسب حقيقة الأمر في نفسه ؛ لأنها ليست أسبابا بالحقيقة ، ولا مدخلا لها في وجود شيء من الأشياء ، لكنه أجرى عادته بأنه يوجد تلك الأسباب أولا ، ثم يوجد عقبيها تلك المسبّبات ، والتحقيق أن المسبّبات صادرة عنه ابتداء . وقالوا : في ذلك تعظيم لقدرة الله وتقديس لها عن شوائب النقصان والقصور في التأثير ؛ حيث يحتاج في تأثيره في شيء إلى واسطة شيء آخر ، وتشاجر بين هاتين الطائفتين ، المناقضات ، والاحتجاجات والاستدلالات بأمور متعارضة ، حتى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ؛ فإنها متعارضة الظواهر في هذا الباب . وذهبت طائفة أخرى ، وهم الحكماء وخواص أصحابنا الإمامية ( رضوان الله عليهم ) ، إلى أن الأشياء في قبول الوجود من المبدأ المتعالي متفاوتة ، فبعضها لا يقبل الوجود إلا بعد وجود الآخر ؛ كالعرض الذي لا يمكن وجوده إلا بعد وجود الجوهر ، فقدرته على غاية الكمال ، يفيض الوجود على الممكنات على ترتيب ونظام وبحسب قابلياتها المتفاوتة بحسب الإمكانات . فبعضها صادرة عنه بلا سبب ، وبعضها بسبب واحد أو أسباب كثيرة ، فلا يدخل مثل ذلك في الوجود إلا بعد سبق أمور ، هي أسباب وجوده ، وهو مسبب الأسباب من غير سبب ، وليس ذلك لنقصان في القدرة ، بل النقصان في القابلية .