تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
قال صدر المتألهين : " واعلم أن الطرق إلى الله كثيرة ؛ لأنه ذو فضائل وجهات كثيرة ، ولكل وجهة هو موليها ، لكن بعضها أوثق وأشرف وأنور من بعض ، وأسدّ البراهين وأشرفها إليه ، هو الذي لا يكون الوسط في البرهان غيره بالحقيقة ، فيكون الطريق إلى المقصود هو عين المقصود ، وهو سبيل " الصديقين " الذين يستشهدون به تعالى عليه ، ثم يستشهدون بذاته على صفاته وبصفاته على أفعاله ، واحدا بعد واحد ، وغير هؤلاء ( كالمتكلمين والطبيعيين وغيرهم ) يتوسلون إلى معرفته ( تعالى ) وصفاته بواسطة اعتبار أمر آخر غيره ( كالإمكان للماهية ، والحدوث للخلق والحركة للجسم ، أو غير ذلك ) ، وهي أيضا دلائل على ذاته ، وشواهد على صفاته ، لكن هذا المنهج أحكم وأشرف " . " وقد أشير في الكتاب الإلهي إلى تلك الطرق بقوله ( تعالى ) :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
، وإلى هذه الطريقة بقوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
، وذلك لأن الربانيين ينظرون إلى الوجود ، ويحققونه ويعلمون أنه أصل كل شيء ، ثم يصلون بالنظر إليه ، إلى أنه بحسب أصل حقيقته واجب الوجود ، وأما الإمكان والحاجة والمعلولية وغير ذلك ، فإنما يلحقه لا لأجل حقيقته بما هي حقيقته ، بل لأجل نقائص وأعدام خارجة عن أصل حقيقته " . " ثم بالنظر في ما يلزم الوجوب أو الإمكان يصلون إلى توحيد ذاته وصفاته ، ومن صفاته إلى كيفية أفعاله وآثاره ، وهذه طريقة الأنبياء كما في قوله ( تعالى ) :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ
. " وتقريره أن الوجود كما مر حقيقة عينية واحدة بسيطة ، لا اختلاف بين أفرادها لذاتها إلا بالكمال والنقص والشدة والضعف ، أو بأمور زائدة ، كما في أفراد ماهية نوعية ، وغاية كمالها ما لا أتم منه ، وهو الذي لا يكون متعلقا بغيره ، ولا يتصور ما هو أتم منه ؛ إذ كل ناقص متعلق بغيره مفتقر إلى تمامه ، وقد تبين فيما سبق أن التمام قبل النقص والفعل قبل القوة ، والوجود قبل العدم ، وتبيّن أيضا أن تمام الشيء هو الشيء وما يفضل عليه ، فإذا الوجود إما مستفن عن غيره ، وإما مفتقر لذاته إلى غيره " . " والأول هو واجب الوجود ، وهو صرف الوجود الذي لا أتم منه ، ولا يشوبه عدم ولا نقص ، والثاني هو ما سواه من أفعاله وآثاره ، ولا قوام لما سواه إلا به ، لما مر أن حقيقة الوجود لا نقص فيها ، وإنما يلحقه النقص لأجل المعلولية ، وذلك لأن المعلول لا يمكن أن يكون في فضيلة الوجود مساويا لعلته ، فلو لم يكن الوجود مجعولا ذا قاهر يوجده ويحصّله ، لا يتصور أن يكون له نحو من القصور ؛ لأن حقيقة الوجود ، كما علمت ، بسيطة لا حد لها ولا تعين إلا محض الفعلية والحصول ، وإلا لكان فيه تركيب أو له ماهية غير الموجودية . . . أما الإلهيون ، فلهم مسلك آخر ، وذلك لأن لهم في إثبات الوجود الواجبي طريقين : طريقة يتبين بها وجوده ، ثم بعد ذلك يثبت بها وحدته . وطريقة يثبت بها أولا أن واجب الوجود يجب أن يكون واحدا ، ثم بعد ذلك يثبتون أن الأجسام وصورها وأعراضها كثيرة ،
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 53 | السيد جعفر السجادي / علي الحاج حسن