" فإن الوجود العقلي الصرف المجرد عن المواد وعلائقها ، لا يمكن ثبوته لشيء إلا وله في ذاته مثل هذا الوجود ، بأن يكون عقلا ومعقولا بالفعل ، فالمعقول بالفعل لا يثبت إلا لمعقول بالفعل " .
اتحاد المدرك والمدرك :
يعتقد صدر المتألهين في كافة الإدراكات باتحاد المدرك والمدرك ، ويعتبر بأن المعقول بما هو معقول وجوده في نفسه ووجوده لعاقله ولمعقوليته شيء واحد ، كما أن المحسوس بما هو محسوس يكون وجوده في نفسه ووجوده للحاس ومحسوسيته شيئا واحدا .
ثم يعتبر صدر المتألهين أن النفس في عين وحدتها فهي كل القوى ، السمع والسميع ، البصر و . . . وكل ذلك من عمل النفس .
وبعبارة أخرى : فالنفس تدرك البصر والمبصر والإبصار ، لا بل إن النفس بذاتها هي بصر ومبصر وما به الإبصار ، والنفس أيضا تدرك السمع والمسموع والسماع ؛ حيث إن النفس في وحدتها كل القوى ، وبعد التمهيد بهذه المقدمات يعتبر : لو كانت الصورة المعقولة قائمة بذاتها ، فهي ستكون من دون شك موجودة لذاتها ؛ وبالتالي ستكون معقولة لذاتها ؛ ( لأن كل مجرد فهو عاقل ومعقول لذاته ) .
يعتقد صدر المتألهين أنه لا يمكن للجسم والجسماني أن يدركا ذاتهما ، ذلك لأن المادة حجاب ، والمرجع في رفع هذا الحجاب هو تأكد وشدة الوجود ، وبما أن النفس مجردة ، فهي عاقلة لذاتها . واعتبر أن التعقل عبارة عن عدم الحجاب ، أو عدم الغيبة عن ذات المجرد ، وبما أن النفس مجردة وليست غائبة عن ذاتها ، فهي مدركة لها ، وبما أنها عاقلة لذاتها ، فهي معقولة لها . هذا هو المقصود من اتحاد العاقل والمعقول . وهكذا يكون معنى اتحاد الإدراك والمدرك والمدرك .
يعتقد صدر المتألهين أنه لو اعتبرنا الصورة المحسوسة مجردة وقائمة بذاتها ، لذلك ستكون محسوسة لذاتها ، وسيكون وجوده لذاته هو نفس محسوسيته لذاتها ، وعليه ، فسيكون حاسا ومحسوسا .
ومن هنا يتضح أن الأجسام الطبيعية وجودها مشوب بالأعدام والظلمات في نفسها ، ومحفوفة بالغواشي الخارجية ، وهذا الشيء هو الذي يمنع من معلوميتها ؛ لأن وجودها في نفسها يمنع تعلق العلم بها .
الاتصاف :
الاتصاف عبارة عن نسبة بين أمرين متغايرين على أساس الوجود في ظرف الاتصاف ، ومما لا شك فيه أنه يجب أن يكون الشيئان موجودين في ظرف الاتصاف لتتحقق النسبة المذكورة ، وتتفاوت الأشياء في الموجودية ؛ حيث ينال كل واحد نصيبه الخاص به من الوجود ، يكون به منشأ لآثار خاصة . ويشمل هذا الأمر حتى الإضافات والأعدام والملكات والقوى