الآن لو طابقت الصور العلمية الخارج ، فسيكون علمنا صادقا وصحيحا ، وإن لم تطابقه فهو كاذب وباطل . إذا المعلوم لنا هو صورنا الذهنية ، ولا يختلف كيف حصلت أو حضرت إليه ، وعلمنا هو هذه الصور أيضا ، لأن العلم عبارة عن إدراك النفس ، ولا شيء آخر غير هذه الصور من مدركات النفس . إذا النفس هي العالمة وهي المعلومة ، والعلم هو نفسنا ، طبعا قد يكون المعلوم أحيانا من خلال الأعيان الخارجية . هذا لب القضية .
يعتقد صدر المتألهين من باب المماشاة ، أننا نعلم الأشياء العينية الموجودة في العين ، والخارجة عن الذهن ، ونتمكن من إدراك خواص الأشياء ، ثم يطرح مسألة اتحاد العاقل والمعقول ، ويقول ( الأسفار ، ج 3 ، ص 310 ) : " إن في مسألة كون النفس عاقلة لصور الأشياء المعقولة ، من أغمض المسائل الحكمية التي لم ينقحها أحد من علماء الإسلام إلى يومنا هذا ، ونحن كما رأينا صعوبة هذه المسألة وتأملنا في إشكال كون العلم بالجوهر جوهرا وعرضا ، ولم نر في كتب القوم سيما كتب رئيسهم أبي علي ؛ كالشفاء والنجاة والإشارات وعيون الحكمة وغيرها ما يشفي العليل ويروي الغليل ، بل وجدناه وكل من في طبقته وأشباحه وأتباعه ، كتلميذه بهمنيار ، وشيخ أتباع الرواقيين ، والمحقق الطوسي نصير الدين ، وغيرهم من المتأخرين ، لم يأتوا بعده بشيء يمكن التعويل عليه ، وإذا كان هذا حال هؤلاء المعتبرين من الفضلاء ، فما حال غير هؤلاء من أصحاب الأوهام والخيالات وأولي وساوس المقالات والجدالات . فتوجهنا توجها جبلّيا إلى مسبب الأسباب ، وتضرعنا تضرعا غريزيا إلى مسهل الأمور الصعاب في فتح هذا الباب ، إذ كنا قد جرّبنا مرارا كثيرة سيما في باب أعلام الخيرات العلمية ، وإلهام الحقائق الإلهية لمستحقيه ومحتاجيه ، إن عادته الإحسان والإنعام ، وسجيته الإكرام والإعلام ، وشيمته رفع أعلام الهداية وبسط أنوار الإفاضة ، فأفاض علينا في ساعة تسويدي هذا الفصل من خزائن علمه علما جديدا ، وفتح على قلوبنا من أبواب رحمته فتحا مبينا ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، فنقول : امتثالا لقوله تعالى
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
، إن صور الأشياء على قسمين : إحداهما صورة مادية قوام وجودها بالمادة والوضع والمكان وغيرها ، ومثل تلك الصورة لا يمكن أن تكون بحسب هذا الوجود المادي معقولة بالعقل ، بل ولا محسوسة أيضا كذلك إلا بالعرض ، والأخرى صورة مجردة عن المادة والوضع والمكان تجريدا ، إما تاما فهي صورة معقولة بالعقل ، أو ناقصا فهي متخيلة أو محسوسة بالعقل ، وقد صح عند جميع الحكماء أن الصورة المعقولة بالعقل وجودها في نفسها ، ووجودها للعاقل شيء واحد من جهة واحدة بلا اختلاف ، وكذا المحسوس بما هو محسوس ، وجوده في نفسه ، ووجوده للجوهر الحاس شيء واحد . . . "
ثم إن صدر المتألهين يقول بالاتحاد في باب الإحساس والخيال ؛ حيث تتحد الصور المحسوسة مع الحاسة والصور الخيالية مع الخيالات ، ثم إن نهاية مسيرة الإنسان في الكمال العلمي والعملي ، هو أن يصبح العالم عقلا تجتمع فيه كافة الموجودات العقلية