الجسم يوجب أن يتوهم بينهما شكل مخروط ، ونحن لا ننكر أيضا تحقق الشعاع من البصر إلى المرئي صورته ، لكن نقول : لا بدّ في الرؤية من حصول صورة المرئي للنفس ، وجميع ما ذكره أصحاب الشعاع غير مناف لما ذهبنا إليه ، وإن وافق رأيهم أيضا ، فإن الموافقة بين المذهبين المتخالفين في كثير من اللوازم غير مستبعد .
كقولهم : إن الشيء إذا بعد يرى أصغر مما إذا قرب ، لأن المخروط يستدق فيضيق زواياه التي عند الباصرة ، ويضيق ( الأسفار ، ج 8 ، ص 191 ) ، لذلك الدائرة التي عند المبصر ، وكلما ازداد . . . شيء بعدا ازدادت الزوايا ضيقا ، والدائرة صغرا ، إلى أن ينتهي في البعد إلى حيث لا يمكن الإبصار .
وكقولهم : يرى الشيء في الماء أعظم منه في الهواء ؛ لأن الشعاع ينفذ في الهواء على استقامة ، وأما في الماء فينعطف الشعاع إلى السهم ، ويتراكم من سطح الماء إلى المرئي ، فيرى المرئي أعظم ؛ لأن الزوايا التي بإزائه في الجليدية بحالها في العظم ، وعظم المرئي تابع لعظم تلك الزاوية ؛ فبعضه ( الأسفار ، ج 8 ، ص 191 ) ينفذ مستقيما ، وبعضه ينعطف على سطح الماء ، ثم ينفذ إلى المبصر فيرى في الامتداد الشعاعي النافذ مستقيما ومنعطفا معا من غير تمايز ، وذلك إذا قرب المرئي من سطح الماء . وأما إذا بعد فيرى في الموضعين ؛ لكون رؤيتهما بالامتدادين المتمايزين .
وكقولهم : إذا أغمضنا إحدى العينين ونظرنا إلى القمر نراه قمرين ؛ لأن الامتداد الشعاعي الخارج منهما ينحرف عن المحاذاة ، ويتقاطع سهماهما قبل الوصول إلى المرئي ، فلا يلتقي طرفاهما على موضع واحد ، بل في موضعين فيرى المرئي اثنين . وهكذا في الأحوال . وإذا وضعنا السبّابة والوسطى على العين ، مع اختلاف في الوضع ، ونظرنا إلى السراج ، فإنا نراه اثنين ، وإذا نظرنا إلى إحدى الخشبتين الدقيقتين . . .
ويقول حول فرضية انطباع شبح المرئي في العين : فزعم أصحاب الانطباع أن شبح المبصر أول ما ينطبع في الرطوبة الجليدية ، والإبصار ليس عندها ، وإلا لكان الواحد يرى الاثنين ، كما إذا لمس شيئا باليدين كان لمسين . ولكن كما أن الصورة الخارجية يمتد منها في الوهم مخروط يستدق إلى أن يقع زاوية وراء سطح الجليدية ، كذلك الشبح الذي في الجليدية يتأدّى منه بواسطة الروح المصبوب في العصبتين المجوّفتين إلى ملتقاهما على هيئة مخروط ، فيلتقي المخروطان ويتقاطعان هناك ، ووراء الملتقى ليس روح مدرك ، فحينئذ يتحد معهما صورة شبحية واحدة عند الروح الحاملة للقوة الباصرة ، فإن لم يتأدّ الشبحان إلى موضع واحد ، بل ينتهي كل شبح عند جزء آخر من الروح الباصرة ، فحينئذ ينطبع من كل شبح ينفذ عن الجليدية صورة أخرى على حدة ، فيرى الشيء الواحد شيئين .
وقال أصحاب الشعاع : " هذا العذر فاسد ، لأنّا إذا تكلفنا الحول ، ونظرنا إلى الشيء نظر الأحول ، نراه أيضا اثنين كما يراه الأحول ، ونحن نعلم أن عند تكلّفنا الحول ، لا يبطل تركيب العصبتين في داخل الدماغ ، فإن التقاءهما ليس على وجه يبطل ويعود متى شئنا ،
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 41
مساهمون: السيد جعفر السجادي
ص٤١