وأقوى ، ويستمر هذا الأمر حتى تصل النفس إلى مرتبة التجرد الكامل ، فتتمكن بمفردها من خلق الصور ؛ لأن النفس تملك بذاتها كافة الصور ، والدليل عليه ، أن الإنسان يتمكن حال نومه من السمع ، الرؤية ، اللمس ، الشم والتذوق ، فالنفس تملك بذاتها كافة الحواس ، ثم إن قوى النفس الخمسة أقوى وأكمل من حواس البدن . وفي الحقيقة ، فإن الحواس الخمس هي للنفس وليست للبدن ، وتعود جميعها إلى قوة نورية واحدة ، فتكون فياضة بإذن الله ( تعالى ) فيتصرف بها البدن تارة بحوله وقوته ، وتتصرف فيها النفس تارة أخرى ، ثم بعد رجوعها من عالم البدن والمادة ، فإنها تعود لذاتها ، ويصبح إدراكها عين قدرتها . وبشكل عام ، فهي تتمكن من الخلق بعد انقطاعها عن عالم البدن ، فتتمكن من خلق الصور ، وخلق الأمور ذات الوجود القوي .
الخلاصة : إن صدر المتألهين اختار الفرار من الإجابة على شبهة الآكل والمأكول ، واعتبر أن النفس تتمكن بعد خلاصها من الهيكل البدني أن تقوم بالخلق ، كما كانت مسيرة النمو في الدنيا ، سواء كان هذا الخلق خلقا للجنة أم للنار .
والخلاصة أن النفوس هي التي تقوم بخلق الجنة والنار لنفسها ، وهذا هو المعاد .
ونشاهد هنا إصراره على تسميته بالمعاد الجسماني ، لكنه يذكر في فصول متعددة بأن الجسم على قسمين : دنيوي وأخروي - البدن الأخروي .
آلي :
منسوب إلى الآلة : استعملت كلمة الآلي في تعريف النفوس الثلاثة ، فقيل مثلا : كمال أول لجسم طبيعي آلي . . . واعتبر صدر المتألهين أن المقصود من الآلي المأخوذ في تعريف النفس ، هو ما لا يكون كالأعضاء والجوارح ، بل المقصود منه ما هو في حكم القوى ، كالغاذية النامية والمولدة في النفس النباتية ، وكالخيال والحس والقوة الشوقية في الحيوان ( الأسفار ، ج 1 . السفر الرابع ، ص 17 ) .
الآن :
يقال في العرف للحد الفاصل بين الماضي والمستقبل " الآن " .
كان للفلاسفة آراء متعددة في مسألة الآن سواء من الناحية الماهوية أم من الناحية الوجودية . قال صدر المتألهين " في حقيقة الآن وكيفية وجوده وعدمه " :
اعلم أن الآن يكون له معنيان : أحدهما ما يتفرع على الزمان ، والثاني ما يتفرع عليه الزمان . أما الآن بالمعنى الأول ، فهو حد وطرف للزمان المتصل ، فالنظر في كيفية وجوده وكيفية عدمه ( الأسفار ، ج 3 ، السفر الأول ، ص 166 - 173 ) .
أما كيفية وجوده ، فلما علمت أن الزمان كمية متصلة ، وكل كمية متصلة فإنها قابلة لتقسيمات غير متناهية بالقوة لا بالفعل ، إلا بواحد من الأسباب الثلاثة القطع ، واختلاف