يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ *
، والذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب ، فكيف ينكشف له أسرار الكتاب ، وأما الحجاب الخارجي ، فكذلك بعضها عدمية كعدم التفكر ، وهو حركة الذهن من المبادي إلى النتائج ، وهذا في مثال المرآة عدم توجيه وجهها نحو صورة المطلوب ، وبعضها وجودية كوجود الاعتقادات العامية التقليدية ، أو الجهليات الفلسفية .
الآكل والمأكول :
تعتبر مسألة الآكل والمأكول من معضلات المسائل الفلسفية والكلامية ؛ حيث عرفت بشبهة الآكل والمأكول . وقد ذكرت هذه الشبهة على المعاد الجسماني ، أما أصل الشبهة والإشكال فهو : لو قام إنسان بأكل إنسان آخر ، فمن الضروري أن تصبح الأجزاء المأكولة جزءا من الآكل ، ثم بعد الموت وحشرهما يمكن أن يطرح السؤال التالي : هل إن الأجزاء التي انتقلت وأصبحت جزءا من الآكل تحشر ضمن أجزاء الإنسان الآكل ، أو ضمن أجزاء الإنسان المأكول ، لأنها أصبحت في الوقت عينه جزءا لهما ؟ ( الأسفار ، ج 2 ، السفر الرابع ، ص 171 - 179 ) . والأكثر من هذا لو كان الآكل كافرا والمأكول مؤمنا ، فكيف تحشر أجزاء المؤمن مع الكافر ؟ يضاف إليه لو أكل ذئب إنسانا ، حتى لو فرضنا أن الحشر يشمل الحيوانات أيضا ، فكيف ستحشر أجزاء بدن الإنسان ؟ هل ستحشر مع الذئب ، أم ستعود إلى الإنسان ؟ ويمكن ذكر هذه الشبهة في الأجزاء الدائمة التبدل ، فالإنسان الذي يعيش مائة سنة مثلا ، تتبدل أجزاؤه آلاف المرات ، فأي أجزاء ستحشر معه ؟ هل سيحشر معه البدن العاصي على سبيل المثال ؟ أو ذاك البدن المطيع لله ؟ حيث قد يحصل له في حياته الكثير من التغييرات الفكرية . أما صدر المتألهين ، فبعد شرحه وتوضيحه لبحث المعاد ، وذكره لأدلة سمعية ونقلية وعقلية عليه ، يقول بوجود وبقاء الأجزاء الأصلية ؛ حيث الأجزاء الأصلية عنده تبقى طول الحياة ، والمحشور هي هذه الأجزاء الأصلية ، وتشكل هذه الأجزاء شخصية الإنسان وتشخصه من بداية عمره إلى آخرها .
يعتقد صدر المتألهين أن النفس بما أنها من سنخ الملكوت ، وهي منشأ القدرة والقوة ، فإنها تتمكن من اختراع الصورة من دون وجود للمادة ؛ أي أن نفس الإنسان تتمكن من خلق المادة المجردة ( الصورة العلمية ) ، ولكن ما دامت النفس متعلقة بهذا البدن المادي المؤلف من عناصر ، والمركب من أضداد ، والذي يحتاج دائما إلى جلب المنافع ورفع المضار ، فإن هذا ما يجعل تصرفاتها وتدبيراتها ضعيفة وناقصة من الناحية الوجودية ، ولذلك لا يترتب على المخلوق الآثار المطلوبة منها ، فيبقى هذا المخلوق دائما في حالة عدم ثبات واستقرار ، لا بل يميل إلى الزوال والتغيير ، فيكون مظهره هو الجرم البخاري في الدماغ الذي هو دائما في حالة تحلل وتجدد وزوال ، كما يقتضيه اختلاف مزاج العضو الدماغي ، ويعتبر صدر المتألهين أن النفس كلما كان وجودها مجردا أكثر ، كان مخلوقها ، الذي هو الصور ، أكمل