تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
الخامس : الاستنباط ، وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها ، إذ ما من علم إلا وفي القرآن أصله وفرعه ومبدأه ومنتهاه ، قال ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين ، فليتدبّر القرآن . وأعظم علوم القرآن علم أسماء الله وصفاته وأفعاله وعلم الآخرة ، أما علم الصفات والأسماء ، فلم يدرك منه أكثر الخلق إلا ما يناسب طورهم ويليق بأفهامهم ، وأما أفعاله فوقف مداركهم على الجلى منها ، وهو صورة السماوات والأرض وما بينهما ، فليفهم التالي المتدبر منها حقايقها ، أي طبايعها أولا ، وهو علم الطبيعيات وعلم الخلقة ، ثم هيئاتها وأوضاعها وحسن ترتيبها ونظمها ، وهو علم التعليميات وعلم القدر ، ثم مباديها وغاياتها ، وهو علم المفارقات ، وعلم القضاء ، والملكوت . ثم انتقل بفكره من الأفعال إلى الصفات والأسماء ، وهو علم التوحيد ، إذ الفعل يدل على الفاعل ، فيدل على عظمته ، ومن لم يعرف من الفعل إلا الحركة والمقدار ، لم يعرف من الفاعل إلا المحرك المصور ، ومن لم يدرك من الفعل إلا النقوش أو الألوان أو الروائح أو الطعوم ، فلم يكن يعتقد الفاعل إلا نقاشا أو صباغا أو عطارا أو طاعما ، فينبغي أن يتدبر في الفعل تدبرا كاملا بحده وحقيقته ، ليشهد في الفعل الفاعل دون الفعل ، ومن عرف الحق رآه في كل شيء . إذ كل شيء فمنه وإليه وبه وله ، فهو الكل على التحقيق في وحدته ، ومن لا يراه في كل ما يراه ، فكأنه ما عرفه ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله فيه ، ومن عرفه عرف أن كل شيء ما خلا الله باطل ، وأن كل شيء هالك إلا وجهه ؛ أي هالك إن اعتبر شيئيته ووجوده لنفسه ، لا أن يعتبر وجوده من حيث إنه موجود بالله وبقدرته ، فيكون له بطريق التبعية ثبات ، وبطريق الأصالة بطلان محض ، وهذا البطلان غير بطلان الماهيات والأعيان الثابتة إذا أخذت من حيث هي ، أو مجردة عن الوجود ، فإنها من تلك الحيثية باطلة الوجود ، ثابتة الشيئية ، بخلاف الهويات الوجودية ، فإنها مأخوذة على وجه الاستقلال باطلة صرفة ، وهذا مفتاح من مفاتيح علم المكاشفة . السادس : التخلي عن موانع الفهم ، وهو غير تطهير القلب عن درن المعاصي وخبث الصفات الذميمة ، فلفهم معاني القرآن موانع غير ما ذكر ، إذ القلب لإدراك حقايق الأشياء بمنزلة المرآة لانشباح صورها المرئية ، كما أن حجب المرآة بعضها داخلية كالطبع والرين وعدم الصقالة ، وبعضها خارجية كوجود الحائل وعدم المحاذاة بوجهها شطر المطلوب ، فكذلك حجب القلب عن الفهم بعضها في داخله وبعضها في خارجه ، أما الحجاب الداخلي فبعضها من باب الأعدام والقصورات ، كالطفولية والبلاهة والجهل البسيط ، وبعضها وجودية كالمعاصي والرذائل ، فمن يكون مصرا على ذنب أو متصفا بكبر أو حسد ، فيمتنع جلية الحق من أن يتجلى فيه ، فإن ذلك ظلمة القلب وصداه ، وبه حجب الأكثرون ، وكلما كانت الشهوات أشد تراكما ، كانت معاني القرآن أشد احتجابا ، فالقلب مثل المرآة ، والشهوات مثل الصدأ ، ومعاني القرآن مثل الصور التي يتراءى فيها ، والرياضة للقلب بإماتة الشهوات مثل تصقل الجلاء للمرآة ، قال الله ( تعالى ) :
وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ
و
، أَنَّما *
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 35 | السيد جعفر السجادي / علي الحاج حسن