الكلام تكرم وتشرف بشرف الحكمة التي فيها . أو لا ترى أنه رفيع المنزلة ، نافذ الحكم في القلوب والبواطن ، فكيف على الأبدان والظواهر ؟ حيث لا طاقة للباطل أن يقوم بين يدي شعاع الحكمة ، كما لا يستطيع الظلمة أن يقوم قدّام شعاع الشمس ، وكما لا طاقة لضعفاء الأبصار أن ينفذوا بأبصارهم إلى ضوء عين الشمس ، ولكن ينالون منه على قدر ما تجيء به أبصارهم ، ويتسببون به إلى حوايجهم ، ويهتدون إلى معايشهم ، فكذلك لا طاقة لضعفاء العقول والبصائر أن ينفذوا ببصائرهم إلى نور عين الحكمة القرآنية ، ولكن ينالون منه على قدر ما يستدلون به على صحة الاعتقاد الذي به حياة العباد يوم المعاد ، ويهتدون به إلى مصالح دينهم ودنياهم وأحكام أولاهم وأخراهم . فالقرآن كالملك المحجوب الغائب وجهه ، والظاهر أمره وحكمه ، وقد يهتدي إليه وبه من يقف على سره ، فهو مفتاح خزائن الملك والملكوت ، وشراب الحياة الذي من شرب منه لم يمت أبدا ، ودواء سقام الجهالات ، وشفاء أمراض ذمائم الصفات الذي من سقى منه شربة لم يسقم أصلا .
الثاني : تطهير القلب عن خبائث المعاصي وأرجاس العقايد الفاسدة ، قال الله ( تعالى ) :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
، وقد مرت الإشارة إلى أن للقرآن مراتب ودرجات ، وله ظهرا وبطنا ، فكما أن ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس ، إلا إذا كان متطهرا ، فباطن معناه أيضا محجوب عن باطن القلب ، إلا إذا كان متطهرا عن كل رجس ، مستنيرا بنور التوبة ، وكما لا يصلح لمس نقوش الكتابة كل يد ، فلا يصلح لنيل معانيه كل قلب ، إلا القلوب الصافية ، ولا يصل إليها إلا من أتى الله بقلب سليم ، ولا يمتد إليها إلا أيدي النفوس الزكية الذكية .
الثالث : حضور القلب وترك حديث النفس ، وهذه الصفة يتولد عما قبلها ، وهو طهارة القلب عن شوائب الأغراض النفسانية ، فإن من أخرج عن قلبه محبة الباطل ، فيدخل في قلبه الأنس بالحق ، ففي القرآن ما يستبشر به القلب إن كان أهلا له ، وكيف لا يطلب الإنسان الأنس بتدبر القرآن ، ويستأنس بأشعار المتنبي ومحاضرات الراغب ومقامات الحريري ؟ وفيه ما لا يخفى من متنزهات القلوب ، ومتفرجات الأرواح ، وبساتين الضمائر ، وأغذية النفوس ، وقرة العيون ، وحياة الحيوان ، وروح الإنسان .
الرابع : التدبر ، وهو غير حضور القلب ، إذ ربّ وقت لا يشغل الإنسان قلبه بغير القرآن ، ولكن يقتصر على سماع القرآن من نفسه من غير تدبر ، والمقصود الأصلي فيه هو التدبر ، وهو روح كل عبادة ، وعن أمير المؤمنين عليه السلام : لا خير في عبادة لا فقه فيها ، ولا في قراءة لا تدبر فيها . وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديده فليردد ، إلا أن يكون في الصلاة خلف إمام ، وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم ، قرأ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
، فرددها عشرين مرة ، وإنما رددها لتدبر في معانيها ، وعن أبي ذر قال : قام رسول الله بنا ليلة ، فقام بآية يرددها ، وهي :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ
، الآية ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : لما نزل عليه قوله ( تعالى ) :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ . . .
، الآية : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها .