الوجود الرابطي :
يمتلك الوجود عند الفلاسفة معنيين : الأول : هو الوجود المقابل للوجود المحمولي ؛ أي الوجود في نفسه ، ويستعمل في المواد الثلاث بعنوان رابط في القضايا الحملية الإيجابية ، وهذا غير النسبة الحكمية ؛ ( ذلك لأن لكل قضية ثلاثة أجزاء : الموضوع والمحمول والنسبة بينهما ، وقد عدّ البعض الحكم بهذه النسبة جزءا رابعا ) والثاني : الوجود الذي هو أحد اعتبارات وجود الشيء ، وهو من المعاني الوصفية ، فوجود المعلول من حيث إنه معلول عبارة عن وجوده لعلته ، فالمعلول هو صرف الارتباط بالجاعل .
فالوجود إما وجود رابط وإما محمولي .
الوجود الرابط هو ثبوت شيء لشيء آخر ؛ مثال ذلك " البياض موجود في الجسم " ؛ حيث إن هذا الوجود ليس استقلاليا وغير موجود في نفسه ، بل وجوده في غيره ولغيره ، وهو نوع من المعاني الحرفية التي تربط المحمول بالموضوع في القضايا الإيجابية . وأما في القضايا السالبة ، فهو سلب الربط . ويختلف هذا الوجود عن الحكم لأن الحكم موجود في كافة العقود والقضايا حتى السوالب ، بينما يختص الوجود الرابط بالقضايا الموجبة . وقد أطلق البعض على هذا الوجود الوجود الرابطي ، وقسموه إلى قسمين : الأول هو مفاد كان الناقصة ، والثاني الوجود الرابطي أو الوجود المحمولي الذي هو مفاد كان التامة .
وأما فيما يتعلق بالوجود المحمولي فقيل أنه قسمان : إما أن يكون وجوده في نفسه ولنفسه كالعقل والجسم ، وإما أن يكون وجوده في نفسه ولكن ليس لنفسه كوجود الأعراض ، وقيل لهذا القسم الثاني الوجود الرابطي .
وأما الوجود الذي في نفسه ولنفسه ، فإما أن يكون بنفسه وهو وجود الله ( تعالى ) ، وإما أن لا يكون بنفسه بل بغيره وهو وجود الجواهر .
وإطلاق الوجود على الوجود الرابط بين الموضوع والمحمول ليس معنويا ، بل من باب الاشتراك اللفظي ؛ لأنه معنى حرفي ، لكن إذا لوحظ فيه المعنى الحرفي بعينه ، وأصبح محلا للحكم ، حينها يتبدل إلى وجود محمولي . بعبارة أخرى ، الوجود الرابط ليس شيئا إلا إذا نظر إليه باعتباره موضوعا أو محمولا في القضايا ، فلو قيل مثلا : " البياض الموجود في الجسم موجود : فالوجود هنا رابط ، وأما لو قلنا : " البياض موجود " فالموجود هنا يمتلك معنى إسميا . لو قلنا : " النار حارة " ، فالوجود هنا له معنى حرفي ، ولو قلنا : " النار موجودة " ، فيمتلك معنى إسميا . بما أن المعلولات عند المتألهين عين الربط والتعلق بالعلة ، فالوجود الرابط والرابطي لا يختصان بالأعراض ، بل حتى بالصور النوعية ؛ أي الجواهر ؛ حيث إن كافة الموجودات بالنسبة لله ( تعالى ) عين الربط والتعلق ؛ بحيث لا تمتلك أي وجود استقلالي .
وعليه ، فالوجود الرابط عند صدر المتألهين على نوعين :
الأول : هو المفهوم التعلقي الذي لا يمكن تعقله بشكل مستقل ، وهذا شبيه بالوجود