تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١

الوجود الذهني :

اتضح عند البحث عن كلمات العقل والعلم والإدراك أن للوجودات في عالم العين والخارج وجودا آخر في الأذهان ؛ حيث يتمكن الإنسان من إدراك الموجودات الخارجية بواسطة حواسه الظاهرة والباطنة ، ويحضرها في قواه ومشاعره . ومما لا شك فيه ، فإن ما يدركه الإنسان ويحضره إلى قوته الحافظة يطابق ما هو موجود في عالم الخارج ، فصورة النار تحكي عن النار الخارجية ، وصورة الماء عن الماء . وقيل : إن للإنسان قوة درّاكة تنتقش فيها الأشياء كما تنتقش الصور في المرآة ، إلا أن ما ينتقش في المرآة صور المحسوسات فقط ، وفي القوة الدراكة تنتقش صور المحسوسات والمعقولات . والخلاصة أنه لا شبهة ولا ترديد في حصول صور الموجودات الخارجية في ذهن الإنسان وهو عالم بها . ولا شبهة أيضا في قدرته على إحضار الصور المعنوية وغير المحسوسة إلى ذهنه . وقد وقع الاختلاف في كيفية حصول تلك الصور للذهن . يعتقد البعض بأن الصور تحل بذاتها وعينها في الذهن ، وقال آخرون بانطباع أشباح الأشياء في الذهن ، وقال فريق ثالث بأن ما يحصل في الذهن هو صور الأشياء وليس عينها ، وقال فريق رابع بأن الذهن هو الذي يصنع الصور للأشياء ، وإلى ما هنالك من الآراء والعقائد ( الأسفار ، ج 1 ، السفر الأول ، ص 263 وما بعده ) . 1 - الوجود الخارجي مجعول بالذات ذو مراتب ، لكل مرتبة منه آثارها الخاصة بها ، والوجود الذهني طور آخر من الوجود يتصف بأنه ليس بفاعل ولا منفعل ولا محرك ولا متحرك . 2 - إن الله خلق النفس الإنسانية بحيث يكون لها اقتدار على إيجاد صور الأشياء المجردة والمادية ؛ لأنها من سنخ الملكوت وعالم القدرة والسطوة ، والملكوتيون لهم اقتدار على إبداع الصور الفعلية القائمة بذواتها ، وتكوين الصور الكونية القائمة بالمواد . وكل صورة صادرة عن الفاعل فلها حصول له ، بل حصولها في نفسها نفسه حصولها لفاعلها ، وليس من شرط حصول شيء لشيء أن يكون حالا فيه وصفا له ، بل ربما يكون الشيء حاصلا لشيء من دون قيامه به بنحو الحلول والوصفية ( الأسفار ، ج 1 السفر الأول ، ص 263 ، 268 ) . 3 - إن الله قد خلق النفس الإنسانية بحيث يكون لها في ذاتها عالم خاص بها من الجواهر ، والأعراض المفارقة والمادية ، والأفلاك المتحركة والساكنة ، والعناصر والمركبات ، وسائر الحقائق ، يشاهدها بنفس حصولاتها لها لا بحصولات أخرى وإلا يتسلسل ؛ وذلك لأن الباري ( تعالى ) خلّاق الموجودات المبدعة والكائنة ، وخلق النفس الإنسانية مثالا لذاته وصفاته وأفعاله . فإنه ( تعالى ) منزّه عن المثل لا عن المثال ، فخلق النفس مثالا له ذاتا وصفاتا وأفعالا . . . إلا أنها وإن كانت من سنخ الملكوت وعالم القدرة ومعدن العظمة ، فهي ضعيفة الوجود والقوام لكونها واقعة في مراتب النزول ، ذات وسائط بينها وبين بارئها ،