وكثرة الوسائط بين الشيء وينبوع الوجود توجب وهن قوته وضعف وجوده . فلهذا ما يترتب على النفس ويوجد عنها من الأفعال والآثار الخاصة يكون في غاية ضعف الوجود ، بل وجود ما يوجد عنها بذاتها من الصور العقلية والخيالية أظلال وأشباح للوجودات الخارجية الصادرة عن الباري ( تعالى ) .
" وقد يعبر عن الوجود الذهني بالوجود الرابطي ، كما يقولون ( والوجود الرابطي ؛ أي المعلوم للقوى الإدراكية والمشهود لها والحاضر لديها ، إنما هي الوجودات الحسية أو العقلية ، أما الحسيات فباستئناف وجودها عن النفس الإنسانية ، ومثولها بين يديها في غير هذا العالم بواسطة مظهر لها . . . أما العقليات فبارتقاء النفس إليها واتصالها بها ) " .
يتضح من خلال المقدمات التي ذكرناها رأي صدر المتألهين في ماهية الوجود الذهني ، وقد تعرض في عدة فصول للأقوال المختلفة حول الوجود الذهني .
يعتقد صدر المتألهين بأن النفس بالنسبة لمدركاتها الخيالية والحسية شبيهة بالفاعل المبدع ، وبناء على هذا الأصل ينحل العديد من الإشكالات التي ذكرها الفلاسفة على الوجود الذهني ؛ ذلك لأن كافة الإشكالات تتمحور حول اعتبار النفس محل الإدراكات ، والقيام بالشيء عبارة عن الحلول فيه ( الأسفار ، ج 1 ، السفر الأول ، ص 287 ) .
يقول صدر المتألهين في الشواهد الربوبية حول الوجود الذهني :
" الإشراق الثاني : في الإشارة إلى الوجود الذهني .
قالوا : إنّا نتصور أمورا غير موجودة في الأعيان ، ونحكم عليها أحكاما ثبوتية واقعية ، والحكم على الشيء لا يمكن إلا بعد وجوده ، وإذا لم يكن في الأعيان ففي الأذهان .
الإشراق الرابع : في الإشارة إلى مسلك آخر في إثبات الوجود الذهني .
وهو أنّ لنا أن نأخذ من الأشخاص المختلفة تعيناتها الشخصية ، أو تحصلاتها الفصلية ، معنى واحدا نوعيا أو جنسيا ؛ بحيث يصح أن يحمل على تلك الأفراد بهو هو ، فهذا المعنى الواحد المشترك فيه يمتنع أن يوجد في الخارج واحدا مشتركا فيه ؛ لاستحالة أن يتصف أمر واحد بصفات متضادة هي التعينات المتخالفة ولوازمها المتنافية ، فوجوده في عالم الحس ليس إلا على نعت الكثرة والانتشار ، ونحن قد لاحظناه معنى وحدانيا محتملا لأن يكون مع وحدته شاملا لكثرة مقولا عليها ، متحدا بها ؛ بحيث يسع وجودها العقلي وجوداتها الحسية الجزئية ، فوجوده من هذه الجهة ليس في عالم الحس والجهة ، وإلا اختص بمكان أو مكاني ، ويخلو عنه غيره ، فمن هذا السبيل اصعد أيها السالك من هذه المرحلة السفلى بخطوة واحدة إلى مرحلة أخرى أقرب إلى مقصودك الأصلي ومعبودك الأعلى " إن شاء الله ( تعالى ) " ( الشواهد الربوبية ، ص 24 - 27 ) .