النشأة التجردية . ولا وجود للحدوث والتعلق في عالم التجرد المحض .
تمتلك نفس الإنسان ثلاث نشآت : الأولى : نشأة الصورة الحسية الطبيعية ومظهرها الحواس الخمس ، ويقال لها أيضا " الدنيا " . الثانية : نشأة الأشباح والصور الغائبة عن هذه الحواس ومظهرها الحواس الباطنة ، ويقال لها " عالم الغيب والآخرة " . والثالثة : النشأة العقلية التي هي دار المقربين ودار العقل والمعقول ومظهرها القوة العاقلة للإنسان . النشأة الأولى دار القوة والاستعداد ، والثانية والثالثة دار التمام والفعلية ؛ حيث جاء قوله تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ . . .
.
النفس في المرتبة والنشأة الأولى خالية عن العلوم التصورية والتصديقية ، وأما علمها الأول فهو علمها بذاتها ( الأسفار ، ج 8 ، ص 3 ، 8 ، وج 9 ، ص 62 ، 140 ) .
في ابتداء حال الإنسان ( المرحلة الجنينية ) يكون في حدود الدرجة النباتية ، ويصعد في مرحلة الطفولة إلى درجة الحيوانية ، ويتابع إلى درجة الإنسانية عند البلوغ إلى الكمالات ، وهذه هي النشأة الأولى للنفس الناطقة .
ثم إنه يصل بعد قطع مرتبة العقل الهيولاني الفاقد لكافة التصورات إلى مرحلة بالملكة ؛ حيث يتلقى بعض الصور ، فيحصل له أول علم ؛ أي العلم بذاته ، وبعد قطع مراحل الكمال يصل إلى مرتبة الفعلية والعقل بالفعل ، ومن ثم يصل إلى مرتبة العقل المستفاد ، وهي مرتبة كماله الممكن . ثم يتصل بالروحانيات بعد خلع اللباس والقشر .
وعليه ، فالنفس في أوائل مراحلها لا تفارق البدن من جهة القوام ، لا بل تمتلك استعداد القوام والتجرد ، فهي جوهر جسماني يقبل التجرد بالتدريج لتصبح مجردة وقائمة بذاتها ، فإذا قطعت مرحلة القوة إلى الفعل " صارت عقلا بسيطا " هو كل الأشياء والمدركات .
النفوس الإنسانية في مرحلة التجرد تدرك الكليات .
لقد عبّر صدر المتألهين عن نشآت النفس الثلاث تعبيرات مختلفة ، من جملتها النشأة الحسية ، والخيالية ، والعقلية ( المبدأ والمعاد ، ص 363 ، والشواهد الربوبية ، ص 230 ، والرسائل ، ص 284 ، والأسفار ، ج 2 ، السفر الرابع ، ص 56 ، 86 ، وج 1 ، السفر الرابع ، ص 287 ) .
قسّم صدر المتألهين النفس من بعض الوجوه إلى ثلاثة أقسام :
1 - نباتية ، مكانها في الكبد .
2 - حيوانية ، موضعها القلب .
3 - إنسانية ، سلطانها الدماغ ، ويحدث الجزء النباتي بداية ثم الحيواني ثم الإنساني .
وقد وضح صدر المتألهين في أماكن عديدة بأن النفس الإنسانية من جملة الصور الطبيعية للأجسام ، وفصل من فصولها الاشتقاقية ، محمول عليها يظهر من خلال انضمامها إلى الجسمية الحيوانية نوع طبيعي واحد ، هو الإنسان الطبيعي ينتقل بالتدريج من نوع إلى آخر .