بالملك والشيطان يوجب خلود الثواب والعقاب .
فعلم أن الآثار الحاصلة من الأفعال والأقوال في النفوس بمنزلة النقوش الكتابية في الألواح
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
، وهذه الألواح النفسية يقال لها " صحائف الأعمال " ، وهذه النقوش والصور كما تفتقر إلى قابل يقبلها تفتقر إلى ناقش ومصور ؛ فالمصورون والكتّاب هم الكرام الكاتبون ، وهم طائفتان : ملائكة اليمين ، وملائكة الشمال
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ
، وفي الخبر " كل من عمل حسنة يخلق الله منها ملكا يثاب به ومن اقترف سيئة يخلق الله منه شيطانا يعذب به : "
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ
.
وفي مقابله
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ
، وكذلك
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
، وإنما يخلّد أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، بالثبات والدوام الحاصلين في الأخلاق والملكات ، لا بآحاد الأعمال ، فكل من فعل مثقال ذرة من خير أو شر يرى أثره مكتوبا في صحيفة ذاته ، أو صحيفة أعلى منها ، وهو نشر الصحائف وبسط الكتب ، فإذا حان وقت أن يقع بصره على وجه ذاته عند كشف الغطاء ، ورفع شواغل ما يورده هذه الحواس المعبر عنه بقوله تعالى :
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
، فيلتفت إلى صفحة باطنه وصحيفة قلبه ، فمن كان في غفلة عن ذاته وحساب سره ، يقول عند ذلك :
ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
.
ومنشأ ذلك كما مر مرارا ، أن الدار الآخرة هي دار الحياة والإدراك لقوله ( تعالى ) :
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
.
ومواد أشخاصها هي التأملات الفكرية والتصورات الوهمية ، فتتجسّم الأخلاق والنيات في الآخرة ،
يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ
، كما تتروح الأعمال والأفعال في الأولى ، والفعل هاهنا مقدم على الملكة ، وهناك بالعكس ، قال ( سبحانه ) في قصة ابن نوح :
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
، وفي الخبر : " خلق الله الكافر من ذنب المؤمن " .
وفي كلام فيثاغورث : " اعلم أنك ستعارض لك في أقوالك وأفعالك وأفكارك ، وسيظهر لك من كل حركة فكرية أو قولية أو فعلية ، صور روحانية وجسمانية فإن كانت الحركة غضبية أو شهوية صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك ، وإن كانت الحركة عقلية صارت ملكا تلتذ بمنادمته في دنياك وتهتدي بنوره في آخرتك إلى جوار الله وكرامته .
فإذا انقطع الإنسان عن الدنيا وتجرد عن مشاعر البدن وكشف عنه الغطاء يكون الغيب له شهادة والسر علانية والخبر عيانا فيكون حديد البصر قارئا لكتاب نفسه بقوله ( سبحانه ) :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
، وقوله :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ