تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
البقاء والثبات ، ولكن من فعل فعلا أو تكلم بقول يظهر منه أثر في نفسه وحالة قلبية تبقى زمانا ، وإذا تكررت الأفاعيل والأقاويل استحكمت الآثار في النفس وصارت الأحوال ملكات ؛ إذ الفرق بين الملكة والحال بالشدة والضعف ، والاشتداد في الكيفية يؤدي إلى حصول صورة جوهرية ، هي مبدأ مثل تلك الكيفية كالحرارة الضعيفة في الفحم إذا اشتدت صارت صورة نارية محرقة ، وكذلك الكيفية النفسانية إذا اشتدت صارت ملكة راسخة ؛ أي صورة نفسانية هي مبدأ آثار مختصة بها ، فيصدر بسببها الفعل المناسب لها بسهولة من غير روية وتعمل ، ومن هذا الطريق تحدث ملكة الصناعات ومبدأ المكاسب العلمية والعملية ، ولو لم يكن للنفوس الآدمية هذا التأثر من الفعل أولا ثم اشتداد ذلك الأثر فيها يوما فيوما ، لم يمكن لأحد من الناس اكتساب شيء من الصناعات العلمية والعملية ، ولم ينجح التأديب والتعليم لأحد ، ولم يكن في تمرين الأطفال على الأعمال فائدة ، وذلك قبل رسوخ الهيئات المضادة لما هو المطلوب في نفوسهم ، ولذلك يعسر تعليم الرجال المحنكين وتأديبهم لاستحكام صفات حيوانية في نفوسهم بعد ما كانت هيولانية قابلة لكل علم وصفة ؛ كصحيفة خالية من النقوش والصور ، فهذه الآثار الحاصلة في القلوب والأرواح بمنزلة النقوش والكتابة الحاصلة في الصحائف والألواح كما قال ( سبحانه ) :
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
، وهذه القلوب والأرواح يقال لها في لسان الشريعة " صحائف الأعمال " ، وتلك النقوش والصور كما تحتاج إلى قابل يقبلها كذلك تفتقر إلى فاعل ؛ أي مصوّر وكاتب ، فالمصورون والكتّاب لمثل هذه الكتابة النورية هم الكرام الكاتبون ، لكرامة ذواتهم وأفعالهم عن دناءة الجسمية ، وارتفاع جواهرهم عن المواد الطبيعية ، فهم لا محالة ضرب من الملائكة المتعلقة بأعمال العباد وأقوالهم لقوله ( تعالى ) :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ
، وهم طائفتان : ملائكة اليمين ، وهم الذي يكتبون أعمال أصحاب اليمين ، وملائكة الشمال ، وهم الذين يكتبون أعمال أصحاب الشمال ، قال تعالى :
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
، وقال :
يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
( الأسفار ، ج 2 ، السفر الرابع ، ص 290 - 292 ) " . وقد تعرض صدر المتألهين في الشواهد الربوبية لدراسة مسألة نشر الصحائف والكتب بشكل دقيق ، فقال :

" الإشراق التاسع : في نشر الكتب والصحائف

كل ما يدركه الإنسان بحواسه يرتفع منها أثر إلى الروح ، ويجتمع في صحيفة ذاته وخزانة مدركاته ، وهو كتاب منطو اليوم عن مشاهدة الأبصار ، فيكشف له بالموت ما يغيب عنه في حال الحياة مما كان مسطورا في كتاب لا يجليها إلا لوقتها ، وقد مرّ أن رسوخ الهيئات وتأكد الصفات ، وهو المسمى عند أهل الحكمة بالملكة وعند أهل النبوة والكشف