تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
وإقبالها على الله وملكوته ، وليس هو أمرا يعدمك ، بل يفرق بينك وبين ما هو غيرك وغير صفاتك اللازمة ، لأن القواطع قائمة على أن محل الحكمة لا ينعدم كما في الحديث النبوي : " خلقتم للبقاء لا للفناء " ، وفي الحديث أيضا : " الأرض لا تأكل محل الإيمان " ، وفي الكتاب :
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ
.

الإشراق الثاني : في ماهية القبر وعذابه وثوابه

واعلم أن للإنسان الكامل في أيام كونه الدنيوي أربع حياتات : النباتية والحيوانية والنطقية والقدسية ، ثنتاها دنيوتيان ، وثنتاها أخرويتان . مثال ذلك ، الكلام فإن له حياة امتدادية تنفسية هي بمنزلة الطبيعة النباتية ، وحياة صوتية لفظية هي بمنزلة الحيوانية ، وحياة معنوية هي بمنزلة الإنسانية ، وحياة حكمية هي بمنزلة الروح الإلهية . فإذا خرج الكلام من جوف المتكلم ودنياه ، دخل إلى باطن السامع وآخره ، فورد أولا في منزلة صدره ثم إلى قلبه ، فإذا ارتحل من عالم التكلم والحركة إلى عالم السمع والإدراك انقطعت عنه الحياتان الأوليان ؛ لأنه انقطع النفس وانعدم الصوت ، فلا يخلو حاله بعد ذلك عن أحد الأمرين ؛ لأنه إما روضة من رياض الجنة ، وذلك إذا وقع في صدر منشرح بأنوار معرفة الله وإلهامات ملائكته ، فيكون قرين ملائكة الله وعباده الصالحين الزائرين لهذا القبر . وإما في حفرة من حفر النيران ، وذلك إذا وقع في صدر ضيق حرج مشحون بالشرور ، والآفات موطن للشياطين والظلمات ، ومورد للعنة الله ومقته مخلدا في العذاب . فإن من البواطن والصدور ما ينزل فيه لزيارته كل يوم ألوف من الملائكة والأنبياء والأولياء لغاية صفائه ، فهو كروضة الجنان . ومن البواطن ما يقع فيه كل يوم ألف وسواس وكذب وفحش وخصومة ومجادلة مع الناس ، فهو منبع المقت والغصة والعذاب الأليم ، فهو بعينه من الضيق والظلمة والوحشة ؛ كحفرة من حفر النيران ، لقوله تعالى :
مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
. فكذلك الإنسان إذا مات وارتحل عن هذا العالم ، فقد بقيت له حياتان أخرويتان إن كان من أهلها ، وانقطعت عنه حياته النباتية والحيوانية ، وإنما قلنا : انقطعت موضع : انعدمت ؛ لأن التحقيق أن ما وجد من الأشياء فلا يمكن انعدامه بالحقيقة ، وإلا فيلزم أن يكون قد خرج وزال عن علم الله ( سبحانه ) ، وقد قال :
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
، ومعلوم أن للجسد وجودا كما للنفس ، وللقالب تكونا كما للقلب . فاعلم أن لكل منها قبرا حقيقيا ، فقبر الحياة الجسدانية النباتية والحيوانية ، هو مقدار تكونهما التدريجي ومدة تقلبهما الاستكمالي في دار الدنيا ، وهي مقبرة ما في علم الله من صور الأكوان الحادثة الموجودة سابقا ولاحقا في علمه ( تعالى ) ، ورودها في مقابر هذه