" السابع : المعرفة ، وقد اختلفت الأقوال في تفسيرها ، فمنهم من قال : إنها إدراك الجزئيات ، والعلم إدراك الكليات ، وآخرون قالوا : إنها التصور والعلم هو التصديق ، وهؤلاء جعلوا العرفان أعظم رتبة من العلم .
قالوا : لأن تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود أمر معلوم بالضرورة ، وأما تصور حقيقة الواجب فأمر فوق الطاقة البشرية ؛ لأن الشيء ما لم يعرف لا تطلب ماهيته ، فعلى هذا الطريق كل عالم عارف ، ولا عكس ، ولذلك فإن الرجل لا يسمى عارفا إلا إذا توغل في ميادين العلم ، وترقى من مطالعه إلى مقاطعه ، ومن مبادئه إلى غاياته بحسب الطاقة البشرية .
وقال آخرون : من أدرك شيئا وانحفظ أثره في نفسه ، ثم أدرك ذلك الشيء ثانيا ، وعرف أن هذا ذاك الذي قد أدركه أولا فهذه هي المعرفة ، ثم في الناس من يقول بقدم الأرواح ، ومنهم من يقول بتقدمها على الأشباح ، ويقول أنها هي الذر المستخرج من صلب آدم عليه السلام ، وأنها أقرت بالإلهية واعترفت بالربوبية ، إلا أنها لظلمة العلاقة البدنية نسيت مولاها ، فإذا عادت إلى نفسها ، متخلصة من ظلمة البدن وهاوية الجسم عرفت بها ، وعرفت أنها كانت عارفة به ، فلا جرم سمي هذا الإدراك عرفانا .
وقال : وبعد ، فهذا شروع في طور آخر من الحكمة والمعرفة ، وهو تجريد النظر إلى ذوات الموجودات وتحقيق وجود المفارقات والإلهيات ، المسمى بمعرفة الربوبية والحكمة الإلهية ، ولما كان أفضل نعم الله الفائضة على خلقه ، وأشرف عطياته التي أتاها من لدنه عبدا من عباده هو الذي سماه الله في كتابه المنير بالخير الكثير ؛ ( أعني الحكمة الإلهية والمعرفة الربوبية ) .
ولا شك أنها السعادة العظمى والبهجة الكبرى ، وبتحصيلها ينال الشرف الكبير والسيادة العليا التي تفوق سائر الدرجات الرفيعة والكمالات المنيعة ، وكل من أتاه الله نعمة يجب به حسبها عليه شكرا وإحسانا ، فيجب على من أتاه الله رحمته من عنده ، وعلّمه من لدنه علما ، وأفاده قوة في هذا العلم يمشي به في أرض الحقائق ، ونورا يهتدي به في ظلمات البرازخ السفلية ، وجناحا يطير به إلى أوج العوالم العلوية ، وبصيرة أراه بها ملكوت السماوات والأرض كما قال ( تعالى ) :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
.
وأما المتأخرون منهم كتوابع المشائين وسائر المحدثين ، فقد وقع لهم سهو عظيم ، وأغلاط كثيرة في الإلهيات ، وكثير من الطبيعيات من المطالب التي لا يعذر الخطأ والنسيان فيها من الإنسان ، ولا ينجو من عذاب الجهل فيها أبدا ، إذا كان فيها استعداد وقوة سلوك نحو المعاد ، وقد ضل وغوى وانحرف عن طريق المسرى والمأوى ، والرجل الحكيم لا يلتفت إلى المشهور ، ولا يبالي إذا أصاب الحق من مخالفة الجمهور ، ولا يتوجه في كل باب إلى من قال ، بل إلى ما قيل ، كما نقل عن مولانا إمام الموحدين وأمير المؤمنين عليه السلام ، أنه قال : " لا يعرف الحق