واستحقاق رياسة الخلق ، فيكون رسولا من الله يوحى إليه ، ومؤيدا بالمعجزات ، منصورا على الأعداء ، فله خصائص ثلاث .
الإشراق الثالث : في شرح هذه الخصائص .
أما الأولى ، فهو أن تصفو نفسه في قوتها النظرية صفاء يكون شديد الشبه بالروح الأعظم ، فتتصل به متى أرادت من غير كثير تعمل وتفكر حتى تفيض عليها العلوم اللدنية من غير توسط تعليم بشري ، بل يكاد زيت عقله المنفعل يضيء لغاية استعداده بنور العقل الفعال ، الذي ليس هو بخارج عن حقيقة ذاته المقدسة ، وإن لم تمسسه نار التعليم البشري بمقدحة الفكر وزند البحث والتكرار .
فإن النفوس متفاوتة في درجات الحدس والاتصال بعالم النور ، فمن زكى لا يحتاج إلى التعلم في جل المقاصد ، بل في كلها ، ومن غبي لا يفلح في فكره ولا يؤثر فيه التعليم أيضا حتى خوطب النبي الهادي صلى اللّه عليه وآله وسلم في حقه :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
( سورة 28 / آية 56 )
وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
( سورة 35 / آية 22 )
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ
( سورة 27 / آية 80 ) .
وذلك لعدم وصولهم بعد إلى درجة استعداد الحياة العقلية ، فلم يكن لهم سمع باطني يسمع به الكلام المعنوي ، والحديث الرباني ، ومن شديد الحدس كثيرة كمّا وكيفا سريع الاتصال بعالم الملكوت ، يدرك بحدسه بحسبه أكثر المعلومات في زمان قليل إدراكا شريفا نوريا ، سميت نفسه قدسية .
وكما أن مراتب الناس تنتهي بهم في طرف نقصان الفطرة وخمود نورها إلى عديم الحدس والفكر ، يعجز الأنبياء عن إرشادهم ، فيجوز أن ينتهي في طرف الكمال وقوة الحدس وشدة الإشراق إلى نفس قدسية ، ينتهي بقوة حدسه إلى آخر المعقولات في زمان قصير من غير تعلم ، فيدرك أمورا يقصر عن دركها غيره من الناس إلا بتعب الفكر والرياضة في مدة كثيرة ، فيقال له : نبي أو ولي ، وإن ذلك منه أعلى ضروب المعجزة أو الكرامة ، وهو من الممكنات الأقلية كما ذكرناه ، وأما الخاصة الثانية فهي : أن تكون قوته المتخيلة قوية بحيث يشاهد في اليقظة عالم الغيب ، وتتمثل له الصور المثالية الغيبية ، ويسمع الأصوات الحسية من الملكوت الأوسط في مقام " هورقليا ، " أو غيره ، فيكون ما يراه ملكا حاملا للوحي ، وما يسمعه كلاما منظوما من قبل الله ( تعالى ) ، أو كتابا في صحيفة ، وهذا مما لا يشاركه الولي بخلاف الضرب الأول .
وأما الخاصة الثالثة ، فهي قوة في النفس من جهة جزءها العملي وقواها التحريكية ، فيؤثر في هيولى العالم بإزالة صورة ونزعها عن المادة ، أو تلبسها إياها فيؤثر في استحالة الهواء إلى الغيم وحدوث الأمطار ، وتكون الطوفانات الزلازل لاستهلاك أمة فجرت وعتت عن أمر ربها ، ورسله ، ويسمع دعائه في الملك والملكوت لعزيمة قوية ، فيستشفي المرضى ويستشفي العطشى وتخضع له الحيوانات وهذا أيضا ممكن لما ثبت أن الأجسام مطيعة