أما بيانه بالدليل العقلي ، فلم أر في كلام أحد إلى الآن وقد مر البرهان العرشي على أن المعاد في المعاد هو بعينه هذا الشخص الإنساني روحا وجسدا ؛ بحيث لو يراه أحد عند المحشر يقول : هذا فلان الذي كان في الدنيا .
ومن أنكر هذا فقد أنكر ركنا عظيما من الإيمان ، فيكون كافرا عقلا وشرعا ، ولزمه إنكار كثير من النصوص .
الإشراق الخامس : في دفع شبهة الجاحدين للمعاد الجسماني .
الأول منها : إنه يلزم إعادة المعدوم كما مر .
والثاني : إنه يلزم مفسدة التناسخ .
والثالث : إن الإعادة لا لغرض عبث لا يليق بالحكيم ، والغرض إن كان عائدا إليه كان نقصا له فيجب تنزيهه ، وإن كان عائدا إلى العبد ، فهو إن كان إيلامه فهو غير لائق بالحكيم العاقل ، وإن كان إيصال لذة إليه فاللذات لا سيما الحسيات إنما هي دفع الآلام كما بينه العلماء والأطباء في كتبهم ، فيلزم أن يؤلمه أولا حتى يوصل إليه لذة حسية ، فهل يليق هذا بالحكيم مثل من يقطع عضو أحد ثم يضع عليه المراهم ليلتذ .
والجواب عن الأول بأنه : ليس فيما قررناه في المعاد إعادة معدوم من جهة ما هو معدوم بعينه ، بل هو تجدد أحوال لأمر باق .
وعن الثاني : أن البدن الأخروي موجود في القيامة بتبعية النفس ، لا أنها مادة مستعدة تفيض عليها صورتها ، وقد مر الفرق بين الوجهين ، ولا تناسخ إلا في الوجه الأخير .
وعن الثالث : بما علمت في مباحث الغايات من : الفرق بين معاني الغرض والغاية والضروري ، وأن لكل حركة طبيعية غرضا وغاية طبيعية ، ولك عمل جزاء ولازما ، " ولكل امرئ ما نوى " وإله الآخرة والدنيا واحد ليس فعله الخاص إلا العناية والرحمة وإيصال كل حق إلى مستحقه ، وإنما المثوبات والعقوبات لوازم وثمرات ونتائج وتبعات للعبد من جهة حسنات ، أو اقتراف سيئات ساقها إليه القدر تبعا للقضاء الإلهي .
الرابع : إنه إذا صار إنسان معين غذاء بتمامه لإنسان آخر ، فالمحشور لا يكون إلا أحدهما ، ثم إن الآكل إذا كان كافرا والمأكول مؤمنا يلزم إما تعذيب المطيع وتنعيم العاصي ، أو كون الآكل كافرا معذبا والمأكول مؤمنا متنعما مع كونهما جسما واحدا .
والجواب : بتذكر ما أسلفناه في غاية الوضوح ، وللمتكلمين كلمات عجيبة في هذا المقام ، وحرام على كل عاقل الاشتغال بها عن الاكتفاء بصورة الشريعة والعمل بظواهر الأحكام .
الخامس : إن جرم الأرض مقدار معدود ممسوح بالفراسخ والأميال ، وعدد النفوس غير متناه فلا يفي بحصول الأبدان غير المتناهية معا .
والجواب : بعد تسليم ما ذكر أن الهيولى قوة قابلة لا مقدار لها في ذاتها ، يمكن لها قبول مقادير وانقسامات غير متناهية ولو متعاقبة وزمان الآخرة ، ليس من جنس أزمنة الدنيا ؛ " فإن