تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
ثم تابع قائلا : كما أن تجليه ( تعالى ) على الأشياء تجل واحد وإفاضة واحدة ، إنما حصل تعدده واختلافه بحسب تعدد الماهيات واختلافها ، تحقق وتبين أنه لا تكرار في التجلي باعتبار مظهر واحد ، ومنه يستفاد أن العلم بكل حقيقة لا يكون إلا حضورها لا حصول شبح آخر منها ؛ لأن ظهور شبحها ليس هو بعينه ظهورها وإلا لزم التكرار ، وقد نفاه العرفاء كما قد تبين لك ( الأسفار ، ج 2 ، السفر الأول ، ص 340 - 358 ) . ومن هنا ينكشف لذي البصيرة دقيقة أخرى ، هي أنه قد اختلف الحكماء في إدراك النفس الإنسانية ، حقائق الأشياء عند تجردها واتصالها بالمبدأ الفياض أهو على سبيل الرشح ، أو على نهج العكس أي من جهة إفاضة صور الأشياء على ذاتها ، أو على نهج مشاهدتها في ذات المبدأ الفعال . ولكل من المذهبين وجوه ودلائل مذكورة في كتب أهل الفن ، وعند التحقيق يظهر على العارف البصير أنه لا هذا ولا ذاك ، بل بأن سبب الاتصال التام للنفس بالمبدأ لما كان من جهة فنائها عن ذاتها ، واندكاك جبل إنيتها ، وبقائها بالحق ، واستغراقها في مشاهدة ذاته ، فترى الأشياء كما هي عليها في الخارج ، لا أن ما تراه من الحقائق غير ما وقع في الأعيان ، وإلا يلزم التكرار في التجلي الإلهي . . . فكل ما أدركه العارف المكاشف من صور الحقائق بواسطة اتصاله بعالم القدس ، يكون حقائق الأشياء على ما هي عليها في الخارج لا أشباحها ومثالاتها . وأما الناقص المحجوب ، فيرى الحق في مرآة الأشياء ، ويعتقده على حسب ما يراه ، فيعرفه على صورة معتقده ، فإذا تجلى الحق له يوم القيامة في غير الصورة التي يعتقده ، كذلك ينكره ويتعوذ منه ، ومن هاهنا ينبعث اختلاف العقائد بين الناس لا اختلاف ما يرون الحق فيها من الأشياء ، وإليه الإشارة في قوله : " أنا عند ظن عبدي بي " ، والسالك الواصل الفاني يشاهد الحق مجردا عن نسبة الخلق إليه ، فيحجبه ضيق فنائه وقصور ذاته عن الخلق لضيق الفاني عن كل شيء ، فكما كان قبل الفناء محجوبا بالخلق عن الحق لضيق وعائه الوجودي ، فكذلك في ثاني الحال لأجل فنائه عن كل شيء ذاهل عن مراتب الإلهية ، وتجلياته الذاتية والأسمائية ، وأما الكامل العارف للحق في جميع المظاهر والمجالي الراجع إلى التفصيل مستمدا من الإجمال ، فيشاهد الحق على وجه أسمائه وصفاته ، فيرى الخلق بالحق ، فيسير في أرض الحقائق التي أشرقت بنور ربها ، فيكون علمه في هذا المقام بالأشياء من جهة العلم بمبدأ الأشياء ومظهر وجوداتها ومظهر أعيانها الثابتة وماهياتها ، فيصدق حينئذ أنه يرى الأشياء كما هي في مرآة وجهه الكريم الذي له غيب السماوات والأرض ، فثبت أنه كما أن الأشياء بوجه مرائي ذات الحق ووجوده ، فكذلك الحق مرآة حقائق الأشياء ، لكن مرآتية كل واحد من المرآتين بوجه غير الأخرى ( م . ن . ص 361 ) . وبيان ذلك : إن كل واحدة من المرائي التي هي غير ذات الحق كمرائي ماهيات الممكنات لظهور حقيقة الوجود ، ومرائي القوى الخيالية الكلية التي هي مظاهر عالم المثال ، والقوة الخيالية الجزئية التي هي مظهر الصور الخيالية ، والجليدية والماء والبلور والحديد التي