المسألة في أفكار سقراط وأفلاطون ، الظاهر أن سقراط هو أول من كان يقول بأصالة الكليات وأن الجزئيات لا يمكنها أن تكون متعلقة بالعلم لأنها في معرض الفناء والزوال . إذا ما يمكن أن يتعلق بالعلم هو الأمور التي لا تتعرض للزوال والفساد ، والمفاهيم الذهنية ، ثم تبلورت القضية أفضل فأصبحوا يعتقدون بأن الكليات أمور أصيلة لا تزول .
ثم تابع أفلاطون عمل أستاذه واعتبر أن لأفراد كل نوع ربّا كليا يحفظ الجزئيات ، مثال ذلك أفراد الإنسان التي يزول بعضها ويأتي البعض الآخر ثم يزول ، ومع ذلك فالإنسان الكلي موجود لا يزول ، وعلى هذا قالوا : إن الإنسان اثنان : الأول طبيعي فاسد ، والثاني نفسي ، والإنسان النفسي هو الصورة الكلية الذهنية للإنسان ، وقد قاموا فيما بعد بقبول الوجود الواقعي لهذا الإنسان النفسي ، ثم اعتبروا أن الإنسان العقلي واقع في مرتبة أعلى من الإنسان النفسي . اعتبر أفلاطون أن الكليات صور نوعية ثابتة ، ولكل نوع رب نوع آخر أطلق عليه اسم المثل أو المثل النورية . أما فلاسفة الإسلام ، فبالإضافة إلى اعتقادهم بوجود عالم من طبقتين مجردة ومادية ، قالوا بوجود طبقة متوسطة تتصف بعدم تجردها الكامل وعدم ماديتها الكاملة ، وذلك كالأشكال الواقعة في المرآة ، إما أنها لا وزن لها ولا يمكن لمسها ويمكن رؤيتها ، وكالأشباح البرزخية التي هي برزخ بين المجردات والماديات ، وعليه فالعوالم ثلاثة : المجردات ، البرازخ ، والماديات ، والمجردات قسمين : العقول والنفوس ، والماديات أيضا على قسمين : الأجرام الفلكية والأجسام الأرضية .
يعتقد صدر المتألهين أن عالم العقل هو الأصل ؛ ذلك لأن الموجودات العقلية فاعل وغاية للموجودات الأخرى ، ( وأوضحنا في نظام الخلق أن أول ما يصدر هو العقل وعالم العقول ، ثم تصدر الموجودات الأخرى من العقول . . . ) .
أما سبب خفاء عالم العقول ، فهو بسبب شدة نورانيتها وشدة توغل البشر في الماديات الظلمانية التي تحجب وتمنع الكشف العلمي والشهود العيني ( الأسفار ، ج 1 ، السفر الأول ، ص 307 ، وج 2 ، السفر الأول ، ص 46 - 48 ، 52 - 53 ، 63 ، وج 2 ، السفر الثالث ، ص 69 - 172 ) .
يعتقد صدر المتألهين أن المثل الأفلاطونية عبارة عن عالم العقول المجردة ، وعبّر عنها بالمثل النورية ، وهكذا فعل شهاب الدين السهروردي . وعليه فعالم المثال عنده اثنان : الأول عالم المثل العقلية المجردة وهو عالم المجردات . والثاني المثل المعلقة أو الأشباح البرزخية ، التي هي برزخ بين المجردات والماديات . يعتقد صدر المتألهين أن الإنسان الطبيعي هو إنسان العالم المحسوس مع مادته وعوارضه ، وللإنسان وجود آخر ذو مقدار وشكل وخصوصيات أخرى ، وهو الإنسان النفسي ، وهناك إنسان ثالث هو الإنسان العقلي . ثم إن ما يمكن إدراكه من الإنسان معنى مشترك بين كثيرين بنوع من التجريد العقلي ( الأسفار ، ج 2 ، السفر الأول ، ص 190 ) .
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 406
مساهمون: السيد جعفر السجادي
ص٤٠٦