تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
. وفي الأحاديث المشهورة كثير مما يؤيد ذلك ، وتلك الحواس الروحانية هي أصل هذه الحواس الجسمانية ، فإذا ارتفع الحجاب بينها وبين هذه الخارجية ، يتحد الأصل مع الفرع ، فيشاهد بهذه الحواس ما يشاهد بها ، والروح تشاهد جميع ذلك بذاته ؛ لأن هذه الحقائق تتحد في مرتبته عند كونه في مقام العقل ، لأن العقل كل الموجودات كما بيناه في العلوم النظرية ، وأقمنا البرهان عليه على ما يناسب أهل النظر ، وبراهين هذه المقدمات كلها توجد في مقالاتنا ومسفوراتنا ، قد ذكرناها هاهنا مجردة عن البراهين جريا على عادة القوم . وأما الكشف المعنوي ، المجرد من صور الحقائق ، الحاصل من تجليات الاسم العليم الحكيم ، وهو ظهور المعاني الغيبية والحقائق العينية ، فله أيضا مراتب : أولها ظهور المعاني في القوة المفكرة من غير استعمال المقدمات وتركيب القياسات ، بل بأن ينتقل الذهن من المطالب إلى مبادئها ، ويسمى بالحدس فما في القوة العاقلة المستعملة للمفكرة ، ويسمى بالنور القدسي ، والحدس من لوامع أنواره ، فهي أدنى مراتب الكشف ، ثم في مرتبة القلب ويسمى بالإلهام ، إن كان الظاهر معنى من المعاني ، لا حقيقة من الحقائق وروحا من الأرواح ، وإلا فيكون مشاهدة قلبية ، ثم في مقام الروح ويسمى بالشهود الروحي ، وهي بمثابة الشمس المنورة لسماوات مراتب الروح وأراضي مراتب الجسد ، فهو بذاته أخذ من الله العليم الحكيم المعاني الحقيقية من غير واسطة على قدر استعداده ؛ أي قوة قبوله الأصلي ، ويفيض على ما تحته من القلب وقواه العالية والسافلة " ( مفاتيح الغيب ، ص 149 ، 151 ) .

الكفر :

الكفر هو ظلام الليل وظلام البيت وعدم الشكر . . . وغيرها من المعاني . يقول صدر المتألهين : " في مراتب الكفر : اعلم أن الكفر على درجات متفاوتة ، وبإزاء كل مرتبة من الإيمان مرتبة من الكفر ، فمن مراتبه كفر القالب ، وكفر النفس ، وكفر القلب . فأول درجات الكفر كفر القالب ، وهو ظاهر مكشوف لكل أحد ، فمن أنكر شيئا من ضروريات الدين ، أو رد علامة من علامات الشريعة ، فقد استحق القتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة . وثانيها كفر النفس ، فلأن النفس بالحقيقة هي الصنم الأكبر والطاغوت الأعظم :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
، وفي الحديث : ( أبغض إله عبد في الأرض الهوى ) ، وقل من العباد من اجتنب عن عبادة صنم الهوى وطاعة طاغوت النفس ، فحري أن يستعيذ الإنسان منها بالله ، ويدعو له أن يوفقه للاجتناب عنها ، ولعل دعاء إبراهيم عليه السلام فيما حكى الله عنه في قوله :
وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
، هو للاجتناب عن هذه العبادة . فهذا كفر من كان بعد في عالم الأكوان ولم يتجاوز عنه إلى عالم الملكوت .