الكشف :
الكشف هو الحصول على أمر غير متوقع وغير مسبوق بسابقة . يقول صدر المتألهين :
في أنواع المكاشفة على الإجمال .
اعلم أن الكشف كما أشير إليه قسمان : صوري ومعنوي ، وأعني بالصوري ما يحصل له في عالم المثال من طريق الحواس الخمس ، وسبب ذلك يحتاج شرحه إلى كلام طويل ، يظهر منه أن للنفس في ذاتها سمعا وبصرا وشما وذوقا ولمسا ، فالمكاشفة الصورية قد تكون على طريق المشاهدة البصرية ، كرؤية المكاشف صور الأرواح المتجسدة والأنوار الروحانية ، وإما أن يكون على طريق السماع ، كسماع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الوحي النازل عليه كلاما منظوما ، أو مثل صلصلة الجرس ودوي النحل ، كما جاء في الحديث ، فإنه صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يسمع ذلك ويفهم المراد منه ، أو على سبيل الاستنشاق وهو التنسم بالنفخات الإلهية ، والتنشق بالفتوحات الربوبية ، كما أخبر عنه بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : إن لله في أيام دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا لها . وقال أيضا : إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن . أو على سبيل الملامسة وهي بالاتصال بين النورين أو بين الجسدين المثاليين ، كما قال ابن عباس ( رضي الله عنهما ) :
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : رأيت ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة ، فقال : فيمن يختص الملأ الأعلى يا محمد ، قلت : أنت أعلم إي ربي مرتين ، قال فوضع الله كفه بين كتفي ، فوجدت بردها بين ثديي ، فعلمت ما في السماوات ، ثم تلا هذه الآية :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
، أو على طريق الذوق ، كمن يشاهد أنواعا من الأطعمة ، فإذا ذاق منها وأكل ، اطلع على معان غيبية ، قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : رأيت أني أشرب اللبن حتى خرج الري من أظفاري ، فأولت ذلك بالعلم ، وقد يجتمع بعض هذه المكاشفات مع بعض ، وقد ينفرد ، وكلها تجليات أسمائية ؛ إذ الشهود البصري من تجليات الاسم البصير ، والسماع من الاسم السميع ، وكذلك البواقي ، إذ لكل منها اسم يربيه ، وكلها من سوادن الاسم العليم .
ثم أنواع الكشف الصوري إما أن تتعلق بالحوادث الدنيوية أو لا ، فإن كانت متعلقة بها فيسمى رهبانية ، وإن لم تكن متعلقة بها فهي معتبرة ، وأهل السلوك العلمي لعدم وقوف هممهم العالية في الأمور الدنيوية لا يلتفتون إلى هذا القسم من الكشف ، لصرفها في الأمور الأخروية وأحوالها ، ويعدون ذلك من قبيل الاستدراج أو المكر بالعبد ، بل كثير منهم لا يلتفتون إلى الكشف الأخروي أيضا ، وهم الذين جعلوا غاية مقصدهم ومنتهى غرضهم الفناء في الله والمحو في جنابه .
وهذه المكاشفات الصورية قد تكون مع اطلاع على المعاني الغيبية ، بل أكثرها يتضمن المكاشفات المعنوية ، فيكون أعلى مرتبة وأكثر يقينا لجمعها بين الصورة والمعنى ، ومنبع هذه المكاشفات هو القلب الإنساني ؛ أي نفسه الناطقة المنورة بالعقل العملي ، المستعمل لحواسه الروحانية ، وقد مرّ أن للنفس في ذاتها عينا وسمعا وغير ذلك كما أشار إليه بقوله :
فَإِنَّها *