في تحديد القوة بهذا المعنى
قد علمت أن القوة قد تقال لمبدأ التغيير من شيء في شيء آخر من حيث هو آخر ، وإنما وجب التقييد بهذه الحيثية ؛ لأن الشيء الواحد لو فعل في نفسه فعلا ؛ كالمعالج إذا عالج نفسه لكان يجب أن يكون فيه اختلاف جهة وتركيب ، وإلا لكان ذلك الواحد قابلا وفاعلا معا من جهة واحدة ، وذلك ممتنع في المركب أيضا فضلا عن البسيط ، اللهم إلا أن لا يكون هناك قوة إمكانية للموصوف بالقياس إلى الصفة ، بل مجرد اللزوم على جهة الفعلية المحضة ، لا على جهة الاستعداد كما في لوازم الماهيات ، وكثير من الناس كصاحب الملخص وغيره لما نظر في لوازم الماهيات ورأى أن فيها فاعلا وقابلا بمعنى آخر ، وقع في شك وتزلزل في امتناع كون الشيء الواحد فاعلا وقابلا ، مع أن التقابل بين القوة والفعلية من الضروريات الواضحة المستبينة .
وبالجملة ، فالجزم حاصل بلا شبهة في أن الشيء يمتنع أن يكون مبدأ التغير في نفسه ؛ لأنه لو كان مبدأ لثبوت صفة أو معنى لنفسه لدامت تلك الصفة أو ذلك المعنى له ما دامت ذاته موجودة ، ومتى كان كذلك لم يكن متغيرا ، فعلمنا أن مبدأ تغيره لا بد أن يكون غيره ، وبهذا يثبت أن لكل متحرك محركا غيره .
ثم قوة الفاعل قد تكون مع شعور وإرادة وقد لا تكون ، وكل واحدة تنقسم أقساما ، وقوة المنفعل أيضا قد تكون في الأجسام وقد تكون في الأرواح ، وكل منهما قد تكون ماهية نحو القبول دون الحفظ ؛ كالماء يقبل الشكل ولا يقبل الإمساك وقد تكون قوة عليهما كالشمعة والأرض .
وأيضا قد تكون قوة الشيء المنفعل على أمر واحد كقوة الفلك على الحركة الوضعية ، أو أمور محددة كقوة الحيوان ، أو أمور غير متناهية ، بل جميع الأمور كقوة الهيولى الأولى ، وكذا قوة الفاعل يجوز أن تكون محدودة على أمر واحد ، وقد تكون على أمور كثيرة محدودة كقوة المختارين على ما يختارونه ، وقد تكون على جميع الأمور كالقوة الإلهية .
وضابطة القول في القبيلتين أن الشيء كلما كان أشد تحصلا كان أكثر فعلا وأقل انفعالا ، وكلما كان أضعف تحصلا كان أكثر انفعالا وأقل فعلا .
وأما تقسيم القوة الفاعلة ، فهو أن نقول : القوة إما أن يصدر عنها فعل واحد أو أفعال مختلفة ، وكلا القسمين يقعان على قسمين آخرين ، فإنه إما أن يكون لها بذلك الفعل شعور أولا يكون ، فحصل من هذا الكلام في التقسيم أربعة أقسام :
الأول : القوة التي يصدر عنها فعل واحد من غير أن يكون لها به شعور ، فإنها إما أن تكون صورة مقومة وإما أن لا تكون كذلك بل تكون عرضا ، فإن كانت صورة مقومة ، فإما أن تكون في الأجسام البسيطة فتسمى طبيعة مثل النارية والمائية ، وإما أن تكون في الأجسام المركبة فتسمى صورة نوعية لذلك المركب ؛ مثل الطبيعة المبردة التي في الأفيون والمسخنة