كل الإدراكات أو لا تكون ، فإن كانت خالية مع أنها تكون قابلة لتلك الإدراكات كانت الهيولى التي ليس لها إلا القوة والاستعداد . . . " .
القوة :
يقول صدر المتألهين : ( الأسفار ، ج 3 ، السفر الأول ، ص 2 - 7 )
" إن لفظ القوة يقال بالاشتراك الاسمي على معان كثيرة ، ولكنها يشبه أن تكون موضوعة أولا للمعنى الذي في الحيوان ، الذي يمكنه به أن يكون مصدرا لأفعال شاقة من باب الحركات ليس بأكثرية الوجود ، ويسمى ضده الضعف ، ثم إن للقوة بهذا المعنى مبدأ ولازما ، أما المبدأ فهو القدرة ، وهي كون الحيوان بحيث يصدر عنه الفعل إذا شاء ، ولا يصدر عنه الفعل إذا لم يشأ ، وضد ذلك المعنى هو العجز . وأما اللازم ، فهو أن لا ينفعل الشيء بسهولة ؛ وذلك لأن الذي يزاول الحركات الشاقة ربما ينفعل عنها ، وذلك الانفعال يصده عن إتمام فعله ، فلا جرم صار اللاانفعال دليلا على الشدة ، وإذا ثبت ذلك فنقول :
إنهم نقلوا اسم القوة إلى ذلك المبدأ وهو القدرة ، وإلى ذلك اللازم وهو اللاانفعال ، ثم إن القوة لها وصف كالجنس لها ولها لازم . أما الذي كالجنس فكونها صفة مؤثرة في الغير ، وأما اللازم ، فهو الإمكان ؛ لأن القادر لما صح منه أن يفعل وصح منه أن لا يفعل ، كان صدور الفعل منه في محل الإمكان وحيّز الجواز ، فكان الإمكان لازما له . وإذا ثبت ذلك فنقول : إنه نقلوا اسم القوة إلى ذلك الجنس ، وهو كل صفة مؤثرة في الغير من حيث هو غير ، وإلى ذلك اللازم وهو الإمكان فيقولون للثوب الأبيض أنه بالقوة أسود ؛ أي يمكن أن يصير أسودا . ثم إنهم سموا الحصول والوجود فعلا وإن لم يكن بالحقيقة فعلا وتأثيرا ، بل انفعالا وتأثرا ، فإنه لما كان المعنى الموضوع له اسم القوة أولا كان متعلقا بالفعل ، فها هنا لما سموا الإمكان بالقوة سموا الأمر الذي يتعلق به الإمكان ، وهو الحصول والوجود بالفعل ، ثم إن المهندسين لما وجدوا بعض الخطوط من شأنه أن يكون ضلعا لمربع خاص ، وبعضها ليس ممكنا له ذلك ، جعلوا ذلك المربع هو بحركة ذلك الضلع على نفسه ، وإذا عرفت القوة عرفت القوي ، وعرفت أن ضد القوي ، إما الضعيف ، وإما العاجز ، وإما سهل الانفعال ، وإما الضروري ، وإما غير المؤثر ، وإما أن لا يكون المقدار الخطي ضلعا لمقدار مربع سطحي مفروض كل واحد من هذه المعاني المقابلة بجهة أخرى . فأما القوة بمعنى الإمكان فقد سلف ذكر أحكامه فيما مضى ، وإن كان هذا الإمكان المقابل للفعل بوجه غير الإمكان المقابل للضرورة الذاتية للوجود أو للعدم ، أعني الوجوب والامتناع لما سيتضح في إثبات المادة لكل ذي حدوث وتجدد ، وأما القوة بمعنى عسر الانفعال فهو أحد الأنواع من الكيفية وسيأتي تفصيل القول فيه ، وأما القوة بمعنى الشدة وبمعنى القدرة ، فكأنها أنواع للقوة بمعنى الصفة المؤثرة .