والخيال كالحس الظاهر لا يحضران في الباطن المعنى الصرف المطلق كالإنسانية المطلقة ، بل على نحو ما يناله الحس من خارج ، مخلوطا بزوائد وغواش من كم وكيف ووضع وأين .
فإذا حاول أحدهما أن تتمثل له الصورة الإنسانية المطلقة بلا زيادة أخرى ، لم يمكنه استثبات الصورة المقيدة بالعلائق المأخوذة عن أيدي الحواس ، وإن فارق جوهر المحسوس بخلاف الحس ، فإنه لا يمكنه ذلك ، فهاتان المرتبتان من القرآن ، دنياويتان أوليتان مما يدركه كل إنسان . وأما باطنه وسره فهما مرتبتان أخرويتان لكل منهما درجات :
فالأولى منهما ما تدركه الروح الإنسانية التي تتمكن من تصور المعنى بحده وحقيقته ، منفوضة عنه اللواحق الغريبة ، مأخوذا من المبادئ العقلية ، من حيث تشترك فيه الكثرة ، وتجتمع عنده الأعداد في الوحدة ، ويضمحل فيه التعاند والتضاد ، ويتصالح عليه الأحاد ، ومثل هذا الأمر ( الأسفار ، ج 4 ، ص 8 ) لا تدركه روح الإنسان ما لم يتجرد عن مقام الخلق ، ولم ينفض عنه تراب الحواس ، ولم يرجع إلى مقام الأمر ؛ إذ ليس من شأن المحسوس من حيث هو محسوس أن يعقل ، كما ليس من شأن العقل أن يحس بآلة جسمانية ، فإن المتصور في الحس مقيد مخصوص بوضع ومكان وزمان وكيف وكم ، والحقيقة العقلية لا تتقرر في منقسم مشار إليه بالحس ، بل الروح الإنسانية تتلقى المعارف بجوهر عقلي من حيز عالم الأمر ، ليس بمتحيز في جسم ولا متصور داخل في حس أو وهم .
ثم لما كان الحس وما يجري مجراه تصرفه فيما هو عالم الخلق ، والعقل تصرفه فيما هو من عالم الأمر ، فما هو فوق الخلق والأمر جميعا فهو محجوب عن الحس والعقل جميعا ، قال الله ( تعالى ) في صفة القرآن :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
، فذكر له أوصافا متعددة بحسب مراتب ومقامات له ، أعلاها الكرامة عند الله ، وأدناها التنزيل إلى رب العالمين ، ولا شك أن كلام الله من حيث هو كلامه ، قبل نزوله إلى عالم الأمر وهو اللوح المحفوظ ، وقبل نزوله إلى عالم سماء الدنيا وهو لوح المحو والإثبات وعالم الخلق والتقدير ، له مرتبة فوق هذه المراتب ، لا يدركه أحد من الأنبياء إلا في مقام الوحدة ، عند تجرده عن الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى ، وتجاوزه عن العالمين الخلق والأمر ، كما قال أفضل الأنبياء صلى اللّه عليه وآله وسلم : " لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل " ، وإنما يختص صاحب هذه المرتبة بتلقي القرآن بحسب هذا المقام ، والإشارة إلى هذا المقام قوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
، وقوله :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
، وفي الحديث : " إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله " ، وأشير إلى مقام القلب والحس الباطن بقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
.
قسمة مستوفاة :
المقصود منها القسمة التي تدور مدار النفي والإثبات وتشتمل على جميع الأفراد ( الأسفار ، ج 4 ، ص 8 ) .