أشار إليه بقوله :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
، ومحلهما اللوح والقلم ، أحدهما على سبيل القبول والانفعال وهو اللوح بقسميه ، والآخر القلم على سبيل الفعل والحفظ ، وأما العناية فقد أنكرها " أتباع الإشراقيين " ، وأثبتها " أتباع المشائين " ، " كالشيخ الرئيس " ومن يحذو حذوه ، لكنها عندهم صور زائدة على ذاته على وجه العروض . وقد علمت ما فيه ، والحق أنها علمه بالأشياء في مرتبة ذاته علما مقدّسا عن شوب الإمكان والتركيب ، فهي عبارة عن وجوده بحيث تنكشف له الموجودات الواقعة في عالم الإمكان على نظام أتم ، مؤديا إلى وجودها في الخارج مطابقا له أتم تأدية لا على وجه القصد والروية .
وهي علم بسيط ، واجب لذاته ، قائم بذاته ، خلاق للعلوم التفصيلية العقلية والنفسية ، على أنها عنه لا على أنها فيه ، وأما القضاء ، فهي عندهم عبارة عن وجود الصور العقلية لجميع الموجودات فائقة عنه على سبيل الإبداع دفعة بلا زمان . . .
أما القدر فهو عبارة عن وجود الصور الموجودات في العالم النفسي السماوي على الوجه الجزئي ، مطابقة لما في موادها الخارجية الشخصية ، مستندة إلى أسبابها وعللها ، واجبة بها ، لازمة لأوقاتها المعينة وأمكنتها المخصوصة ، ويشملها القضاء ، وشمول العناية للقضاء .
وأما اللوح والقلم ، فبيان القول فيهما أن الباري ( جلّ كبرياؤه ) أول ما برز من ذاته ونشأ هو جوهر قدسي في غاية النور والضياء والسناء ، بعد الأول ( تعالى ) ، ونشأت بتوسطه جواهر أخرى قدسية مترتبة في الشرف والكمال وشدة النورية على حسب ترتبها في القرب منه ( تعالى ) ، ثم حصلت منها بواسطة جهات فقرها ونقصها في الوجود وضعف نوريتها موجودات نفسانية وأخرى طبيعية ، وهي النفوس السماوية والأجرام الفلكية وما معهما من العناصر والمركبات ، وهذه كلها متجددة الوجود زمانية كالمكتوب من الكلمات المعقولة . وأما تلك الجواهر والأنوار القاهرة ، فهي مقدسة عن الزمان منزهة عن التجدد والحدثان ، بل كلها مع تفاوت مراتبها في الشرف والنورية كانت لشدة اتصال بعضها ببعض كأنها موجود واحد ، والحق أنها واحدة كثيرة كما قررناه في موضعه بالبرهان . ولهذا قد يعبر عنها بلفظ واحد كالقلم في قوله ( تعالى ) :
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
، وأتى بصيغة جميع العقلاء مع وحدته إشارة إلى . . .
في حكمته ( تعالى ) وعنايته وهدايته وجوده
قد علمت : أن الحكمة هي أفضل علم بالمعلومات وأحكم فعل في المصنوعات ، واجب الوجود يعلم من ذاته كل شيء من الأشياء بعلله وأسبابه ، ويفعل النظام الأتم لغاية حقيقة يلزمه ، فهو بهذا المعنى حكيم في علمه محكم في صنعه وفعله ، فهو الحكيم المطلق .
وقد علمت : أن هذا العلم بعينه سبب وجود الأشياء وإرادة إيجادها ، من غير أن يكون المنظور إليه في الإيجاد شيء سافل وغرض غير حاصل في ذات الفاعل ، فهذا معنى