الثالث : من وجود النفس .
الرابع : من الجسم .
الخامس : من أحوال الجسم كالحركات الفلكية وغيرها . وهي طريق الخليل عليه السلام .
أما الطريق الأول ، وهو طريق الصديقين المشار إليه بقوله ( تعالى ) :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
( فصلت / 53 ) ، وبقوله :
شَهِدَ اللَّهُ
، وبقوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
( الفرقان / 25 ) .
فنقول : إنه ( تعالى ) أجلّ وأجلى وأنور وأعلى من أن يدل عليه شيء من مخلوقاته ومصنوعاته ، فإن الهبات المنشورة المحسوسة في أشعة الشمس ، والذرات المبثوثة المطموسة تحت أنوارها الداخلة ، فهي عالم الظهور للحس من جهتها ، وإن كانت موجودة دونها كيف يعرف بها وجود الشمس وتوضحها على البصر الحسي ، مع أن وجودها ونورها وعظمتها وقهرها يبهر أبصار الناظرين ويغشي أنظار الباصرين ، فكيف شمس عظمة جلال الأزل ، ونور إشراق الجمال الأول ، فهو أنور من أن ينوره وتدل عليه ذرات وجوده الإفاضي ، وهبات جوده الفياضي للعقول البشرية ، والبصائر القلبية التي كالخفافيش بالنسبة إلى قرص الشمس ، مع أن وجودها وظهورها وقوامها ودوامها منه وبه وله وإليه ، وكفى بالله شهيدا على نفس الوجود وذات المعبود " .
العلوم الربانية :
( علوم الغيب - العلم بالغيب ) يقول صدر المتألهين : ( مفاتيح الغيب ، ص 142 - 143 )
" اعلم ( هداك الله ) ، أن كثيرا من المنتسبين إلى العلم ينكرون العلم الغيبي اللدني الذي يعتمد عليه السلاك والعرفاء ، وهو أقوى وأحكم من سائر العلوم ، قائلين : ما معنى العلم إلا الذي حصل من تعلم أو فكر وروية ، وربما زعموا أن العلم الحقيقي منحصر في الفقه وظاهر التفسير والكلام فحسب ، وليس وراءها علم ، وهذا ظن فاسد ، والقائل به كأنه لم يعرف بعد معنى القرآن ، ولم يصدق بأنه بحر محيط مشتمل على جميع الحقائق ؛ إذ ليس جميع معانيه ما هو المذكور في هذه التفاسير العامية المشهورة المنسوبة إلى القشيري والثعلبي والواحدي والزمخشري وغيرهم ، وقد جرت العادة بإنكار كل أحد ما وراء معلومه ، وهؤلاء المقلدون ما ذاقوا شراب الحقيقة ، وهذا المرض المزمن ؛ أعني الوقوف في مرتبة التقليد لمذاهب الآباء والمشايخ ، والجمود على مقام نقل الألفاظ ، والإنكار لما وراء المسموع ، إذا استحكم ورسخ في القلب لا يمكن علاجه وحسم مادته ، إلا أن من لم يترسخ هذا الداء في باطنه ، يمكن علاجه بأن يعلم أولا أقسام العلوم ومأخذها وفوائدها ، ليعلم أن العلم اللدني ما هو ، ولم هو ، حتى يصدق به وجوده .
فنقول : إن العلم وهو الصورة الحاضرة لحقائق الأشياء عند الجوهر العاقل على قسمين :