العلم :
" يشبه أن يكون العلم من الحقائق التي إنيتها عين ماهيتها ، ومثل تلك الحقائق لا يمكن تحديدها ، إذ الحدود مركبة من أجناس وفصول ، وهي أمور كلية ، وكل وجود متشخص بذاته ، وتعريفه بالرسم التام أيضا ممتنع ، كيف ولا شيء أعرف من العلم ؛ لأنه حالة وجدانية نفسانية يجدها الحي العليم من ذاته ابتداء ، من غير لبس ولا اشتباه .
وما هذا شأنه يتعذر أن يعرف بما هو أجلى وأظهر ؛ ولأن كل شيء يظهر عند العقل بالعلم به ، فكيف يظهر العلم بشيء غير العلم . نعم قد تحتاج بعض الأمور الجلية إلى تنبيهات وتوضيحات يتنبه بها الإنسان ، ويلتفت إلى ما يذهل عنه ، ويلخص معناه ، ويزيده كشفا ووضوحا ، كما في الوجود الذي هو أعرف الأشياء .
وأما ما استدل به بعض الفضلاء على كون العلم غنيا عن التعريف ، بأن كل من عرف شيئا أمكنه أن يعرف كونه عارفا بذلك الشيء من غير برهان ونظر ، والعلم بكونه عالما عبارة عن العلم باتصاف ذاته بالعلم ، والعلم باتصاف أمر بأمر يستدعي العلم بكل واحد من الأمرين ؛ أعني الموصوف والصفة ، فلو كان العلم بحقيقة العلم مكتسبا ، لاستحال أن نعلم كوننا عالمين بشيء إلا بنظر واستدلال وليس كذلك ، فثبت أن العلم بحقيقة العلم غني عن الكسب ، فهو منظور فيه ، فإن ما ذكره لا يفيد إلا كون العلم معلوما لكل أحد بوجه من الوجوه لا بوجه يمتاز به عما عداه ، فإن العلم بثبوت شيء لشيء لا يستدعي إلا تصوره بوجه ما لا غير ، كما بيّن في علم المنطق عندما ذكر أن التصديق يحتاج إلى تصور المحكوم عليه وبه والنسبة ، كيف وكل واحد من الإنسان يعرف أن له سمعا وبصرا ويدا ورجلا ورأسا ، والأكثرون لم يعرفوا حقائق هذه الأمور لا بكنهها ولا برسومها ( الأسفار ، ج 3 ، السفر الأول ، ص 279 وما يليه ) .
وقال صدر المتألهين : إن للأشياء سيما المعدومات بل الممتنعات ، صورا متمثلة في الذهن ؛ لأنّا نحكم عليها بأحكام ثبوتية صادقة ، كالحكم بأن شريك الباري ممتنع واجتماع النقيضين محال ، والجبل من الذهب والبحر من الزئبق جوهر جسماني معدني لا وجود له في العين ، وصدق الحكم بثبوت شيء لشيء يستدعي وجود المثبت له في ظرف الثبوت ، فلهذه الأشياء وجود في نحو من الوجود ؛ إذ لا يمكن أن يكون الشيء موصوفا في الخارج بامتناع الوجود أو اللاوجود في الخارج ؛ لأن الشيء ما لم يجب لم يوجد ، وإذا وجد لم يكن معدوما ، فثبوت العدم والامتناع لا يكون إلا في العلم دون العين .
يقول صدر المتألهين : " زعم كثير من الناس إنّ أقوال الحكماء مضطربة في باب العقل والمعقول غاية الاضطراب ، فإن الشيخ الرئيس يضرب كلامه تارة إلى أن يجعل التعقل أمرا سلبيا ، وذلك عندما بيّن أن كون الباري عاقلا ومعقولا لا يقتضي كثرة في ذاته ولا في صفاته ؛ لأن معنى عاقليته ومعقوليته تجرده عن المادة وهو أمر عدمي ، وتارة يجعله عبارة