تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
وأما النفس الناطقة فهي على شرفها مع عالمها في سعادتها دائمة وهي منفوخة من روح الله وليست هي موجودة في أكثر الناس . وأما الحيوانية فلا يخلو منها إنسان سواء كان سعيدا فكانت سليمة مطيعة ذلولة ، أو شقيا فكانت جموحة عاصية ، فالمطيعة تمرح يوم الآخرة في مراتع الجنان ، والعاصية تعاقب حتى تصير منقادة . وأما الأعضاء والجوارح فما عندها إلا النعيم الدائم في جهنم ، مثل ما هي الخزنة عليه من كونها مسبحة لله ممجدة مطيعة دائما لما يقوم بها أو يقام عليها من الأفعال كما في الدنيا فيتخيل الإنسان أن العضو يتألم لإحساسة في نفسه بالألم وليس كما تخيله إنما هو التألم بما تحمله إليه حاسة الجارحة من صورة ما يكرهه ، ألا ترى أن المريض إذا نام وهو حي والحس عنده موجود والجرح الذي يتألم به في يقظته موجود في العضو ومع هذا لا يجد ألما ؛ لأن الواجد للألم قد صرف وجهه عن عالم الشهادة إلى البرزخ فما عنده خبر فإذا استيقظ المريض ؛ أي رجع إلى عالم الشهادة ونزل إلى منزل الحواس قامت به الأوجاع والآلام ، فإن بقي في البرزخ على ما يكون عليه إما في رؤيا مفزعة فيتألم أو في رؤيا حسنة ملذة فيتنعم فينتقل معه النعيم أو الألم ؛ حيث انتقل وهكذا حاله في الآخرة فتنبه بما قلناه وتبصر بما نورناه ( الشواهد الربوبية ، ص 330 - 332 ) .

الإشراق الرابع : في الإشارة إلى عذاب القبر بما ذكره بعض علماء الإسلام .

كل من شاهد بنور البصيرة باطنه في الدنيا لرآه مشحونا بأنواع المؤذيات والسباع ، مثل الشهوة والغضب والمكر والحسد والحقد والكبر والرياء والعجب ، وهي التي لا تزال تفترسه وتنهشه إن سهى عنها لحظة ، إلا أن أكثر الناس محجوب العين عن مشاهدتها ، فإذا انكشف الغطاء ووضع في قبره عاينها وقد تمثلت بصورها وأشكالها الموافقة لمعانيها ، فيرى بعينه الحيات والعقارب قد أحدقت به ، وإنما هي ملكاته وصفاته الحاضرة الآن في نفسه وقد انكشف له صورها الطبيعية ، فإن لكل معنى صورة تناسبه ، وفي الحديث عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم : " إنما هي أعمالكم ترد إليكم " . فهذا عذاب القبر إن كان شقيا ، ويقابله إن كان سعيدا . فبالموت تتجرد النفس عن البدن وليس يصحبها شيء من الهيئات البدنية ، وهي عند الموت عارفة بمفارقة البدن عن دار الدنيا مدركة ذاتها بقوتها الوهمية عين الإنسان المقبور الذي مات على صورته كما كانت في الرؤيا تشاهد نفسها على صورتها التي كانت في الدنيا بعينها وتشاهد الأمور مشاهدة عيان بحسها الباطني ، فترى بدنها مقبور وتشاهد الآلام الواصلة إليها على سبيل العقوبات الحسية على ما وردت به الشرائع الحقة ، وهذا عذاب القبر ، وإن كانت سعيدة فتتخيل ذاتها وصور أعمالها ونتائج ملكاتها وسائر المواعيد النبوية فوق ما كانت تعتقدها من الجنات والحدائق والحور العين والكأس من المعين ، وهذا ثواب القبر .