وقال صدر المتألهين أيضا في بحث طويل :
" اختلفت آراء الحكماء في هذا العشق وماهيته ، وأنه حسن أو قبيح ، محمود أو مذموم ، فمنهم من ذمه وذكر أنه رذيلة وذكر مساوئه وقال : " إنه من فعل البطالين والمعطلين " .
ومنهم من قال : إنه فضيلة نفسانية . ومنهم من لم يقف على ماهيته وعلله وأسباب معانيه وغايته . ومنهم من زعم أنه مرض نفساني . ومنهم من قال : إنه جنون إلهي ، والذي يدل عليه النظر الدقيق والمنهج الأنيق وملاحظة الأمور عن أسبابها أن هذا العشق لما كان موجودا على نحو وجود الأمور الطبيعية في نفوس أكثر الأمم من غير تكلف وتصنع فهو لا محالة من جملة الأوضاع الإلهية التي تترتب عليها المصالح والحكم ، فلا بد أن يكون مستحسنا محمودا لا سيما وقد وقع من مبادئ فاضلة لأجل غايات شريفة .
وأما المبادئ ، فلأنا نجد أكثر نفوس الأمم التي لها تعليم العلوم والصنائع اللطيفة والآداب والرياضيات - مثل أهل فارس وأهل العراق وأهل الشام والروم وكل قوم فيهم العلوم الدقيقة والصنائع اللطيفة والآداب الحسنة - غير خالية عن هذا العشق اللطيف الذي منشأه استحسان شمائل المحبوب ، ونحن لم نجد أحدا ممن له قلب لطيف وطبع دقيق وذهن صاف ونفس رحيمة خاليا عن هذه المحبة في أوقات عمره .
وأما الغاية في هذا العشق الموجود في الظرفاء وذوي لطافة الطبع فلما ترتب عليه من تأديب الغلمان وتربية الصبيان وتهذيبهم وتعليمهم العلوم الجزئية ؛ كالنحو واللغة والبيان وغيرها ، والصنائع الدقيقة والآداب الحميدة والأشعار اللطيفة الموزونة والنغمات الطيبة وتعليمهم القصص والأخبار والحكايات الغريبة . فإن الأطفال والصبيان إذا استغنوا عن تربية الآباء فهم محتاجون إلى تعليم الأساتذة والمعلمين . وحسن توجههم والتفاتهم إليهم بنظر الإشفاق والتعطف ، فمن أجل ذلك أوجدت العناية الربانية في نفوس الرجال البالغين رغبة في الصبيان وتعشقا ومحبة للغلمان الحسان الوجوه ليكون داعيا لهم إلى تأديبهم وتهذيبهم وتكميل نفوسهم الناقصة ، وإيصالهم إلى الغايات المقصودة في إيجاد نفوسهم ، وإلا لما خلق الله هذه الرغبة والمحبة في أكثر الظرفاء والعلماء عبثا وهباء ، فلا بد من ارتكاز هذا العشق النفساني في النفوس اللطيفة والقلوب الرقيقة غير القاسية .
ونحن نشاهد ترتب هذه الغايات التي ذكرناها فلا محالة يكون وجود هذا العشق في الإنسان معدودا من جملة الفضائل والمحسنات لا من جملة الرذائل والسيئات ، ولعمري إن هذا العشق يترك النفس فارغة عن جميع الهموم الدنيوية إلا هما واحدا ؛ فمن حيث يجعل الهموم هما واحدا هو الاشتياق إلى رؤية جمال إنساني فيه كثير من آثار جمال الله وجلاله ؛ حيث أشار إليه بقوله
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
، وقوله
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
، سواء كان المراد من الخلق الآخر الصور الظاهرة الكاملة أو النفس الناطقة ؛ لأن الظاهر عنوان الباطن ، والصورة مثال الحقيقة والبدن بما فيه مطابق للنفس وصفاتها والمجاز قنطرة الحقيقة .