تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
بقوله :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ
، فإن الكلمة في لسان القرآن عبارة عن الروح الناطقة ، كما قال في حق عيسى روح الله :
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
، وفي قوله :
ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ
أي الجواهر الناطقة ، فالطيبات من النفوس للطيبين ، وهم العقول العليون ، وأما الأنفس الخبيثة المغموسة في بحر الطبيعة المنحوسة فهي وإن كانت بحسب الأصل وسنخ النوع من عالم الملكوت ، إلا أنها بحسب الانغماس في بحر الطبيعة مطموسة أعينها ، منكوسة رؤوسها ، محبوسة أرواحها ؛ حيث طمست وحبست مكبوسة أشباحها أينما علقت ، مغلوقة أبوابها عن عالم الجنان ، غير مفتوحة منافذها إلا على أبواب سجون النيران ، فإن الخبيثات للخبيثين ، والخبيثون للخبيثات ولو لم يكن عالم الأرواح والعقول موجودا ، لم يكن للأجسام والطبائع غاية ونهاية ورجعي ومنتهى ، لست أقول لفاعل الماهيات وجاعل النور والظلمات غاية في فعله ، كلا بل هو غاية الغايات بلا غاية ، ونهاية النهايات بلا نهاية ، بل الغاية إنما هو لما سواه من ذوي الفقر والحاجة ، المفتقر في البلوغ إليه إلى الوسائط والوسائل ، فلكل من المبادئ المتوسطة غاية في فعله ، به يستكمل ويتوسل إليه ( تعالى ) ، ويحصل لنفسه زلفى لديه ، وهكذا إلى أن ينال روح الوصال ، وينجو من ألم الفراق والوبال ، والهبوط في مهوى النقيصة والإمكان ، وهيولى الآفة والخسران . فالغاية في كل شيء هو إيصاله إلى الكمال اللائق بحاله ، ولو لم يخلق هذا العالم الجسماني الفسيح والفلك الدوار المسيح ، إلا لأمر عظيم خطير أعظم من هذا المحسوس المدروس الحقير النقير ، لقصر رداء الجود والفيض دون التمام ، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ، ولو لم يكن لكل ذي طبيعة غاية ، لكان خلق السماوات والأرض وما بينهما عبثا وهباء ومعطلا وهزء وهواء ، وقد نبه الله ( سبحانه ) على هذه الدقيقة الجليلة والحكمة العميقة النبيلة ، بقوله :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
، ثم رد هذا المقال وزيف نقد هذا الخيال الحسباني الشيطاني ، الذي مبناه على إبطال الغايات وجحود الكمالات للطبائع والغايات ، وأجل جنابه عن هذا الفعل القاصر بقوله :
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ *
؛ أي هو متعال عن هذا البهتان الصريح والحسبان القبيح ، المستنكر نسبته إلى المعنى الفواعل الذاتية الطبيعية ، فكيف إلى فاعل الكل ، الذي يرجع إليه كل شيء ، ويعود وينساق إليه كل غائب ومشهود . فثبت وتحقق أن لكل خلق غاية ، وغاية الخلق والإيجاد إيصال كل واحد إلى كماله ، وإرواء كل واحد من مشرب جماله ، وهذا مسلك دقيق أنيق يحكم به على كل شيء بالبرهان ، حتى الحجر والمدر ، فضلا عن الحيوان والبشر ، بأنه يصل يوما إلى حضرته ويتلاشى نوره في نور عظمته ، وبهذا يثبت العالم الأعلى ثم الأعلى ، والمنزل الأشرف فالأشرف ، إلى أن ينتهي إلى غاية الكل ونهاية السبل ، فإن درجات الوجود وطبقات الكون منازل .
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 303 | السيد جعفر السجادي / علي الحاج حسن