عالم الطبيعة فهو ظل للعالم الآخر . ويقع العالم الميتافيزيائي أو ما عبر عنه بمثل الأمثال على رأس المخروط ، وتقع الأجسام في قاعدته ، عالم المثل ثابت بينما عالم الأجسام متغير يطرأ عليه الكون والفساد دائما .
4 - يعتقد العرفاء إن مصدر عالم الخلق هو الأعيان الثابتة ، ويقولون : إن عالم الوجود قبل خروجه إلى عالم العين كان موجودا بالوجود العلمي في علم الحق ( تعالى ) ؛ حيث أطلقوا على الوجود العلمي الأعيان الثابتة ، ثم إن الأعيان الثابتة تخرج إلى عالم العين وتتحقق مراتبها بناء على إرادة الحق ( تعالى ) ؛ حيث تبدأ هذه السلسلة من المفارقات العقلية إلى النفسية والفلكية والأجسام حتى نصل إلى الهيولى . أما عالم الوجود فهو عبارة عن أسماء وصفات ذات الحق ( تعالى ) ، أما مصدرها فهو علم الحق ( تعالى ) ، لذلك لم يرتض ابن عربي وأتباعه ما صوره الفلاسفة عن نظام الخلق .
5 - يعتقد المتكلمون بوجود حد فاصل بين الوجود والعدم ، وقالوا : إن الممكنات ليست موجودة ولا معدومة ، بل هي الحد الفاصل بين الوجود والعدم ، وقد عبّروا عن هذه الأمور بالثابتات الأزلية ، أما ما هو المقصود من إرادة الحق في قوله : إذا أراد الله لشيء
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
، هل هو المعدوم أو الموجود ؟ فإن كان معدوما والمعدوم لا يمكنه أن يكون متعلقا لإرادة الحق ، وإذا قالوا : إنه الوجود فهذا تحصيل حاصل . إذا ، هو شيء والشيء ليس بموجود ولا بمعدوم .
6 - رأي صدر المتألهين حول نظام الخلق . حاول الجمع في رأيه هذا بين المشاء والإشراق والعرفان على أساس أصالة الوجود ووحدته ، وإن جميع الممكنات مراتب الوجود ، بينما نظام الخلق وجود واحد ، والوجود منبسط والعقول هي المرتبة الأولى في مراتب الفيض الأقدس ، ثم تأتي النفوس في مرتبة لاحقة ، ثم الأفلاك ، ثم الأجسام العنصرية .
ويضيف صدر المتألهين بأن تكثر الموجودات وتكثر الحيثيات لا يوجب التكثر في ذات الموضوع .
ثم تحدث صدر المتألهين في هذه المسألة عن قاعدة إمكان الأشرف المنسوبة إلى شهاب الدين السهروردي حيث يمكن إثبات نظام الخلق من خلال قاعدة إمكان الأشرف وإمكان الأخس ( الأسفار ، ج 2 ، السفر الثالث ، ص 253 - 255 ) .
ومفاد هذه القاعدة أنه كلما صدر الممكن الأخس من ذات الواجب ( تعالى ) فمن الضروري أن يكون الممكن الأشرف موجودا قبله وهو علة للأخس ، ونحن نشاهد بعلمنا الشهودي أن العالم الذي يحيط بنا هو عالم المادة والطبيعة والمتغيرات ، فلا بد من وجود عالم أشرف من هذا العالم تستند إليه موجودات هذا العالم ، وعلى هذا الأساس فأول ما صدر عن الواجب هو العقل ، ثم النفس ، ثم الطبائع ويليها عالم المادة . وهذه عقيدة صدر المتألهين وشهاب الدين السهروردي . وقد أشكل بعض الفلاسفة ، أمثال جلال الدين الدواني على هذه القاعدة ؛ حيث تناول صدر المتألهين إشكالاته بالرد والنقض .