وبشكل عام ، صورة كل شيء عبارة عن تلك الماهية التي يتحقق ذاك الشيء بتلك الهوية .
وفي جميع هذه الإطلاقات فإن المادة هي الشيء ذو الصورة أو الحامل للصورة . وتوضيح ذلك ؛ يقول صدر المتألهين :
" وتوضيح هذه الدعوى بتقديم مقدمة ، هي أن المادة في كل أمر مبهم لا تحصل له أصلا إلا باعتبار كونه قوة شيء ما . والصورة أمر محصل بالفعل به يصير الشيء شيئا ، مثلا مادة السرير هي قطع الخشب لكن لا من حيث لها حقيقة خشبية وصورة محصلة ، فإنها من تلك الحيثية حقيقة من الحقائق وليست مادة لشيء أصلا ، بل ماديتها إنما هي من حيث كونها تصلح لأن يكون سريرا أو بابا أو كرسيا ، أو غير ذلك وتعصيها وامتناعها عن قبول أشياء أخر ليس لجهة قوتها واستعدادها ، بل لأجل فعليتها واقترانها بصورة مخصوصة يمنعها عن التلبس بتلك الأشياء لأجل التنافي الواقع بين طبيعتها وطبائع تلك الأشياء .
فالحقيقة الخشبية ؛ مثلا لها جهة نقص وجهة كمال ، فمن جهة نقصها يستدعي كمالا آخر ، ومن جهة كونها كمالا يمتنع عن قبول كمال آخر ، ومن هاتين الجهتين ينتظم كون السرير ذا مادة وصورة ، وكذا نقول : حقيقة الخشب صورتها الخشبية ومادتها هي العناصر لا من حيث كونها أرضا أو ماء أو غيرهما بل من حيث كونها مستعدة بالامتزاج لأن يصير جمادا أو نباتا أو حيوانا إلى غير ذلك من الأشياء المخصوصة دون غيرها لأجل العلة التي ذكرناها ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى مادة لا مادة لها أصلا ؛ إذ لا تحصل لها ولا فعلية إلا كونها جوهرا مستعدا ؛ لأن يصير كل شيء بلا تخصص في ذاتها بواحد دون واحد ، لعدم كونها إلا قابلا محضا وقوة صرفة وإلا يلزم الدور والتسلسل ، فهي مادة المواد وهيولى الهيوليات وكونها جوهرا لا يوجب تحصلها إلا تحصلها الإبهام ، وكونها مستعدة لا تقتضي فعليتها إلا فعلية القوة ، وإنما الفرق بينها وبين العدم أن العدم بما هو عدم لا تحصل له أصلا حتى تحصل الإبهام ولا فعلية حتى فعلية القوة لشيء بخلاف الهيولى الأولى ؛ إذ لها من جملة الأشياء هذا النحو من التحصل والفعلية لا غير ، دون غيرها إلا من جهتها فهي أخس الأشياء حقيقة وأضعفها وجودا لوقوعها على حاشية الوجود ونزولها في صف نعال محفل الإفاضة والجود .
فبعد تمهيد هذه المقدمة يتفطن اللبيب منها بأن كل حقيمة تركيبية فإنها إنما تكون تلك الحقيقة بحسب ما هو منها بمنزلة الصورة لا ما هو منها بمنزلة المادة ، فإن المادة من حيث إنها مستهلكة في الصورة استهلاك الجنس في الفصل ؛ إذ نسبتها إليها نسبة النقص إلى التمام والضعف إلى القوة ، وتقوم الحقيقة ليس إلا بالصورة وإنما الحاجة إليها لأجل قبول آثارها ولوازمها وانفعالاتها غير المنفكة عنها من الكم والكيف والأين وغيرها ، حتى لو أمكن وجود تلك الصورة مجردة عن المادة لكانت هي تلك الحقيقة بعينها لما علمت أن المادة لا حقيقة لها أصلا إلا قوة الحقيقة وقوة الحقيقة من حيث إنها قوة الحقيقة ليست
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 273
مساهمون: السيد جعفر السجادي
ص٢٧٣