وتداس ، وتنقى ، وترمى القشور والتبن والورق من الثمر والحب ، ويجعل بعضها علفا للدواب . وحطبا للنيران ، وبعضها لبوبا صالحة ، فهكذا يجتمع في الآخرة الأمم كلهم من الأولين والآخرين من كل دين .
قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
.
وتنكشف الأسرار يوم تبلى السرائر . ويميز الله الخبيب من الطيب فيجعل الله الخبيث بعضه على بعض ، فيركمه جميعا ، فيجعله في جهنم ، وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون . وهذا كله مستفاد من قوله ( تعالى ) في عدة مواضع من كتابه الكريم ، ومن قول نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم : " الدنيا مزرعة الآخرة " ، فهذا بيان حكمة .
وجاء في مفاتيح الغيب قوله : ( مفاتيح الغيب ، ص 588 )
ومقتضى طبائع القوة العاقلة ، من العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله حاضرة عندها موجودة في حقها ، لكانت لها لذة لا يدرك الوصف كنهها ، فإن السعادة الحقيقية في وجود هذه الحقائق لا في انحفاظها واختزانها ، وإنما الحاصل للنفس عند اختزانها نحو ضعيف من وجودها ، وإلا فإنها أقوياء الوجود وأشداء النورية ، والمعرفة في هذا العالم بذر المشاهدة في الآخرة ، واللذة الكاملة تتوقف على المشاهدة ؛ لأن الوجود كما عرفت لذيذ وكماله ألذ ، والوجودات متفاوتة وأفضلها الحق الأول ، وأدونها الهيولى والحركة والزمان وما يشبهها ، فالسعادات متفاضلة ، فهذه اللذات الحقيقة لنفس كملت بالعلم الحقيقي ، فإن كانت منفكة عن العلوم ، لكنها منزهة عن الرذائل مصروفة الهم إلى المتخيلات التي تلقفتها بالتقليد ، فلا يبعد أن تتخيل الصور الملذة ، فينجر تخيلها إياها إلى مشاهدتها بعد رفع الوهم ، كما في النوم الذي هو ضرب من الموت ، فيتمثل لها ما وصف في الجنة من المحسوسات ، فهذه جنة المتوسطين والصالحين على ما سيجيء إثباته ، وتلك جنة المقربين الكاملين " .
سكر الطبيعة :
إن سكر الطبيعة وخدر النفس في هذه الدار لأجل اشتغالها بأعمال البدن يمنعها أن تدرك آفات النفس وآلامها الحاصلة لها ، المكتسبة من نتائج أعمالها ولوازم أخلاقها وملكاتها الردية إدراكا حقا غير مشوب بما تورده الحواس عليها . فإذا ارتفع الحجاب عن الإنسان بالموت ، وانكشف الغطاء وقع بصره يومئذ إلى تبعات أفعاله ولحقات أعماله ، فيقع لها حينئذ إن كان سيئ الأخلاق قبيح الأعمال رديء الاعتقاد ، الألم الشديد والداهية العظيمة ، كما في قوله ( تعالى ) :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
، فجحيم الآخرة وإن كان ألطف من نعيم هذه الدنيا ، إلا أن عذاب الأشقياء وآلامها على الوجه اللائق إنما يتحقق فيها لا في هذه الدار ، وقوله ( تعالى ) :
إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ *
يشير إلى أن باعث الألم والعذاب موجود بالفعل هاهنا للكفار ، وهم يدركونه لسكر طبيعتهم وتخدر أذواقهم وعمى بصيرتهم من إدراكه " ( الأسفار ، ج 2 ، السفر الرابع ، ص 34 - 35 ) .