تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
ورسله حاضرة عندها موجودة في حقها ، لكانت لها لذة لا يدرك الوصف كنهها ، فإن السعادة الحقيقية في وجود هذه الحقائق لا في اختزانها وانخفاضها ، وإنما الحاصل للنفس عند اختزانها نحو وجود ضعيف منها ، وإلا فإنها قوية الوجود شديدة النورية والمعرفة في هذه الدنيا ، بذر المشاهدة في الآخرة ، واللذة الكاملة متوقفة على المشاهدة ؛ لأن الوجود لذيذ وكماله ألذ . والوجودات متفاوتة ، وأفضلها الحق الأول ، وأدونها الهيولى والحركة والزمان وما يشبهها ، فالسعادات متفاضلة ، فهذه اللذات العقلية لنفس كملت بالعلم الحقيقي ، فإن كانت منفكة عن العلوم لكنها منزهة عن الرذائل مصروفة الهم إلى المتخيلات التي تلفقها تقليدا فلا يبعد أن يتخيل الصور الملذة فينجر تخيلها إياها إلى مشاهدتها بعد رفع الوهم ، كما في النوم الذي هو ضرب من الموت ، فتمثل له ما وصف في الجنة من المحسوسات . فهذه جنة المتوسطين والصالحين ، وتلك هي جنة المقربين الكاملين ( الشواهد الربوبية ، ص 251 - 256 ) .

الإشراق السابع : في الشقاوة التي بإزاء تلك السعادة .

أما الشقاوة الحقيقية ، فهي إما بحسب نقصان الغريزة عن إدراك المراتب العالية ، أو بحسب غلبة الهيئات البدنية من المعاصي الحسية ؛ كالفسوق والمظالم ، وإما بحسب الجحود للحق بالآراء الباطلة والإنكار للحكم بالعقائد السفسطية ، أو المشاغبية وترجيح بعض المذاهب بالجدل والتقليد طلبا للشهرة والرياسة وافتخارا بما يستحسنه الجمهور وتشوقا إلى الكمال الوهمي بحفظ المنقول مع حرمان الوصول . فالشقاوة في القسم الأول من قبيل الأعدام ؛ كالموت للبدن ، أو الزمانية في الأعضاء من غير شعور بمؤلم . وأما في القسم الثاني فبإدراك أمر مؤلم مؤذ ؛ كالعضو الذي به وجع شديد ، فإن هذه الهيئات الانقهارية قبيحة مؤلمة لجوهر النفس مضادة لحقيقتها ؛ لأن حقيقتها تستدعي أن يكون لها هيئة استعلائية قهرية على البدن وقواه الشهوية والغضبية ، فإذا انقهرت عنها وانقادت وخدمت إياها في تحصيل مآربها الدنية ، كان ذلك موجب شقاوتها وتألمها وحسرتها ، لكن كان إقبالها على البدن وشواغله ينسيها عن أمر عاقبتها ويشغلها سكر الطبيعة عن الإحساس بفضيحتها ، والآن إذا زال العائق وارتفع الحجاب وكشف الغطاء بموت البدن فتتأذى النفس بتلك الهيئات الردية أشد الأذى ، ولكن لما كانت هذه الهيئات غريبة عن جوهر النفس وكذا ما يلزمها ، فلا يبعد أن تزول في مدة من الدهر متفاوتة بحسب تفاوت العوائق في رسوخها وضعفها وكثرتها وقلتها إنشاء الله . ويشبه أن يكون في الشريعة إشارة إلى هذه ؛ حيث ورد : " إن المؤمن الفاسق لا يخلّد في النار " .