تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
وأما القسم الثالث ، فهو النقص الذاتي للشاعر بالعلوم والكمال العقلي في الدنيا والكاسب لنفسه شوقا إليه ، ثم تارك الجهد في كسبه ، ففقدت منه القوة الهيولانية وحصلت له فعلية الشيطنة والاعوجاج ورسخت في وهمه العقائد الباطلة فهي الداء العياء الذي أعيى أطباء النفوس المريضة عن دوائه . وهذا الألم الكائن عنها بإزاء اللذة والراحة الكائنة عن مقابلها ، وكما أن تلك أجلّ من كل إحساس بأمر ملائم ، فكذلك هذه أشد من كل إحساس بمناف حسي من تفريق اتصال بالنار ، أو تجميد بالزمهرير ، أو قطع بالمناشير ، أو سقط من شاهق . وعدم تصور ذلك الألم في الدنيا سببه ما ذكرنا ، فهذه والتي بإزائها هما الشقاوة والسعادة العقليتان المعروفتان عند الفلاسفة ، ونحن بصدد إثبات المثوبات والعقوبات الحسيين عن قريب إن شاء الله .

الإشراق الثامن : في درجات الناس في هذه الشقاوة :

اعلم إن هوية الإنسان بمنزلة مرآة قابلة للصور الواقعة في العالم ، وإنما المانع من انكشاف الصور العلمية له أحد حجب خمسة : أولها : نقص جوهره وكونه بالقوة ؛ كحديد المرآة قبل أن يذوب ويشكل ويصقل . والثاني : كدورة الشهوات والمعاصي المكدرة لجوهره المانعة عن ظهور الحق له ؛ كصداء المرآة وطبعها . والثالث : عدوله عن عالم الحقائق إلى مصالح المعيشة واستيعاب همه في الطاعات والتفقه فيها وصرف الفكر في تفاصيلها ؛ كمرآة معدول بها عن جهة الصورة إلى غيرها . والرابع : وقوع السد والحجاب بينه وبين الصورة المطلوبة باعتقادات مسوقة إليه منذ أول الفطرة تقليدا وتعصبا فرسخت وتأكدت فيه فمنعت له عن إدراك الحق . وهذا كالجدار الواقع بين المرآة والصورة ؛ كقوله ( تعالى ) :
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ
. ( السورة / 34 الآية 54 ) ، وقوله ( تعالى ) :
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
. ( السورة / 36 الآية 9 ) . الخامس : عدم الانتقال والارتحال من صورة إلى صورة حتى يصل إلى ما هو المطلوب الأصلي من الحضرة الإلهية
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
( السورة / 1 الآية 6 ) . فإن الاهتداء إلى الحق لا يمكن إلا بالعثور على الجهة التي بها يقع الاهتداء والانتهاء إليه ، فإن هذه السعادة ليست فطرية فلا يحصل إلا بمقربات وعلوم سابقة ، وكل علم غير فطري لا يحصل إلا بعلمين سابقين مزدوجين على شرائط مخصوصة يحصل من ازدواجهما علم ثالث . فالجهل بأصول المعارف وبكيفية الترتيب وعدم الانتقال من بعضها إلى بعض على أقرب الطريق ، يوجب الحرمان عن الفوز بالمطلوب .