تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
مثاله في المرآة لمن أراد أن يرى قفاه فيها ، فإنه يحتاج إلى مرآتين يضعهما ويراعي بينهما نسبة مخصوصة وضعية حتى تنطبع صورة القفا في التي تقابلها ، وينتقل منها إلى الأخرى فيشاهدها ، فهكذا في اقتناص العلوم طرق عجيبة من حكايات المرايا وأشباحها المنتقلة . والفرض منها في هذا المقام مجرد مثال نضربه لموانع السعادة العلمية ، وإلا فجوهر النفس بعد زوال هذه الموانع عنها واتحادها بالعقل يصير عين العلوم التي حصلتها . والحاصل : إن اللطيفة الملكوتية في الإنسان أمر رباني وسر من أسرار الله ، وهي بحسب الفطرة صالحة لمعرفة حقائق الموجودات لولا الاحتجاب بأحد هذه الأمور التي بعضها عدمي ، وبعضها وجودي ، أعظمها الاشتغال بغير الحق من الصور الموهومة . وفي الحديث عن صاحب هذه الشريعة : " لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء " . وإليه الإشارة بما روي أنه قيل : " يا رسول الله أين الله في الأرض ؟ ، قال : في قلوب عباده المؤمنين " . وفي الخبر : " لم يسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي الورع " . فعلم أنه : إذا ارتفعت هذه الموانع الداخلية والخارجية عن نفسه الناطقة ، تجلت فيها صورة الملك والملكوت ، وهيئة الوجود على ما هي عليه فترى في ذاته :
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
( السورة / 3 الآية 133 ) . ومملكة العارف أعظم منها ؛ لأن هذه من عالم الملك فقط والملكوت فسحتها أعظم . الإنسانية إذا خرجت من القوة إلى الفعل ، إما في السعادة العقلية الملكية ، أو في الشقاوة الشيطانية ، أو السبعية ، أو البهيمية ، انتقلت عن هذه النشأة إلى نشأة أخرى بالطبع ، وإذا ارتحلت عن البدن عرض الموت ، وهذا هو الأجل الطبيعي المشار إليه في الكتاب الإلهي
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ *
، هو غير الآجال الاخترامية التي تحصل بعروض الأسباب الاتفاقية ، والقواطع القسرية . وبالجملة الموت طبيعي للبدن ؛ ومعناه مفارقة النفوس إياه مفارقة فطرية ، وترك استعمالها للبدن لخروجها من القوة إلى الفعل بحسب نشأة ثانية ، وصيرورتها إما سعيدة فرحانة مسرورة بذاتها كالملائكة ، وإما شقية محترقة بنار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة كالشياطين والأشرار ، وإما مغفورة بغفران الله ، سليمة الصدر عن الأغراض والغشاوات ، وأما سائر النفوس الحيوانية فهي محترقة بنيران الطبيعة ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء الله ، فينجو من العذاب ، ويتخلص من العقاب ، فمثل الدنيا كالمزرعة ، وأرحام النساء كالحرث ،
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
، والنطف في الأرحام ؛ كالبذور في المزارع ، والولادة كالنبت ، وأيام الشباب كالنشوة ، وأيام الكهولة كالنضج ، وأيام الشيخوخة كاليبس والجفاف ، وبعد هذه الحالات لا بدّ من الحصار وهو الموت ، وزمان القبر والصراط كالبيدر ، فكما أن البيادر تجمع فيها الغلات من كل جنس