مطهرة للنفس مزيلة لكدوراتها ومهذبة به لمرآة القلب عن أرجاسها وأدناسها ، وبمباشرة حركات فكرية وأنظار علمية محصلة لصور الأشياء ولماهياتها .
اعلم إن الشقاوة لا تكون للنفوس الحيوانية ولا للنفوس الساذجة ولا للنفوس العامية التي لم تحصل فيها بعد ملكة التشوق إلى كسب العلوم العقلية والكلامية ولا محبة الترفع والرئاسة ؛ كأكثر أرباب الحرف الدنيوية والعوام والنساء والصبيان ، فإن لهم إذا شقوا نوع آخر من الشقاوة ، كما إن لهم إذا سعدوا نوعا آخر من السعادة ؛ إذ الأشقياء فريقان :
( الأسفار ، ج 2 ، السفر الرابع ، ص 128 - 131 )
فريق حقت عليهم الضلالة ، وحق عليهم القول في الأزل ؛ لأنهم أهل الظلمة وأهل الدنيا والحجاب الكلي المختوم على قلوبهم فطرة كما قال تعالى :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *
، وقوله :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
.
الفريق الآخر المنافقون الذين كانوا مستعدين في الأصل قابلين لنور المعرفة بحسب الفطرة والنشأة الأولى ، ولكن ضلوا عن الطريق واحتجبت قلوبهم بالرين المستفاد من اكتساب الرذائل بارتكاب المعاصي ومباشرة الأعمال البهيمية والسبعية ومزاولة المكائد الشيطانية حتى رسخت الهيئات الفاسقة والملكات المظلمة . . . فلا شك أن هؤلاء الأشقياء أسوأ حالا من الفريق الأول ؛ فالأولى أهل الحجاب والأخرى أهل العقاب ، وفي الكتاب الإلهي قد تكررت وتكثرت الإشارة إليهما جميعا وإلى كل منهما منفردا . "
هناك خمسة أمور تمنع الإنسان من الوصول إلى السعادة القصوى منها :
1 - نقصان جوهره وذاته كنفوس الأطفال .
2 - خبث جوهره وظلمة ذاته ؛ ككدورة الشهوات والتراكم الذي حصل على وجه النفس من كثرة المعاصي ( م . ن . ص 136 ) .
ويتحدث صدر المتألهين في تفسيره الكبير عن السعادة ( تفسير ملا صدرا ، ج 2 ، ص 182 - 184 ) .
السعادة القصوى :
هي معرفة ذات الحق وصفاته وأفعاله ، والسعادة الحقيقة هي الاتصال بالعقليات الدائمة ومجاورة الحق والخير المحض والملائكة المقربين في مقعد صدق ، والسعادة الظنية هي التلذذ بالشهوات والتنعم بنعم الجنات .
قال صدر المتألهين في الشواهد الربوبية : " . . . إنه لا تقاس هذه السعادة الآخرة إلى ما يناله الحس من اللذات المكدرة بالنقائص والآفات ، ولهذا ورد في الحديث " لا عيش إلا عيش الآخرة " ، وسبب خلو النفس عن إدراك لذة العلوم والمعارف ما دامت متعلقة بالدنيا ، هو مثل التخدير الحاصل لقوة الذوق حين عدم نيله لذة الطعوم بواسطة مرض " بوليموس " ، فلو فرض كون المعارف التي هي مقتضى طباع القوة العاقلة من العلم بالله وملائكته وكتبه