وقد حصل الاهتمام بهذه المسألة لجهة الإشكال الذي قد يحصل منها ومفاده : إنه كيف يمكن للحقيقة الثابتة البسيطة ؛ أي ذات الحق أن تسري إلى الموجودات الخسيسة الفاسدة .
بشكل لا يحصل أي نقص في شرف الوجود ؛ بحيث يبقى ثباته وتقدسه على حاله .
قال صدر المتألهين في تصوير سريان الوجود إلى كافة أنحاء العالم :
" اعلم إن للأشياء في الموجودية ثلاثة مراتب :
المرتبة الأولى : الوجود الصرف الذي لا يتعلق وجوده بغيره ، والوجود الذي لا يتقيد بقيد ، وهو المسمى عند العرفاء بالهوية الغيبية ، والغيب المطلق والذات الأحدية ، وهو الذي لا اسم له ولا نعت له ولا يتعلق به معرفة وإدراك ؛ إذ كل ما له اسم ورسم كان مفهوما من المفهومات الموجودة في العقل أو الوهم ، وكل ما يتعلق به معرفة وإدراك يكون له ارتباط بغيره وتعلق بما سواه ، وهو ليس كذلك لكونه قبل جميع الأشياء ، وهو على ما هو عليه في حد نفسه من غير تغير ولا انتقال ، فهو الغيب المحض .
المرتبة الثانية : الموجود المتعلق بغيره ، وهو الوجود المقيد بوصف زائد ، والمنعوت بأحكام محدودة ؛ كالعقول والنفوس والأفلاك والعناصر والمركبات من الإنسان والدواب والشجر والجماد وسائر الموجودات الخاصة .
المرتبة الثالثة : هي الوجود المنبسط المطلق ، الذي ليس عمومه على سبيل الكلية ، بل على نحو آخر ، فإن الوجود محض التحصل والفعلية ، والكلي سواء كان طبيعيا أم عقليا يكون مبهما يحتاج في تحصله ووجوده إلى انضمام شيء إليه يحصله ويوجده ، وليست وحدته عددية ؛ أي مبدأ للأعداد فإنه حقيقة منبسطة على هياكل الممكنات وألواح الماهيات لا ينضبط في وصف خاص ولا ينحصر في حد معين من القدم والحدوث والتقدم والتأخر . . . بل هو بحسب ذاته بلا انضمام شيء آخر يكون متعينا بجميع التعينات الوجودية والتحصلات الخارجية ، بل الحقائق الخارجية تنبعث من مراتب ذاته وأنحاء تعيناته وتطوراته ، وهو أصل العالم وحقيقة الحقائق ، وهو يتعدد في عين وحدته بتعدد الموجودات المتحدة بالماهيات ، فيكون مع القديم قديما ، ومع الحادث حادثا ، ومع المعقول معقولا ، ومع المحسوس محسوسا ، وبهذا الاعتبار يتوهم أنه كلي كذلك ، والعبارات عن بيان انبساطه على الماهيات واشتماله على الموجودات قاصرة الإشارات إلا على سبيل التمثيل والتشبيه ، وبهذا يمتاز الوجود الذي لا يدخل تحت التمثيل والإشارة إلا من قبل آثاره ولوازمه ، ولهذا قيل نسبة هذا الوجود إلى الموجودات العالمية نسبة الهيولى الأولى إلى الأقسام الشخصية من وجه ، ونسبة الكلي الطبيعي ؛ كجنس الأجناس إلى الأشخاص والأنواع المندرجة تحته ، وهذه التمثيلات مقربة من وجه ، ومبعدة من وجوه ، واعلم أن هذا الوجود كما ظهر مرارا غير الوجود الانتزاعي الاثباتي العام البديهي والمتصور الذهني الذي علمت أنه من المعقولات الثانية والمفهومات الاعتبارية . وأما العرفاء ففي كلامهم تصريحات بذلك . قال الشيخ المحقق صدر الدين القونوي بعد أن تصور الوجود بالمعنى الثالث ومثله بالمادة بقوله :
قاموس المصطلحات الفلسفية عند صدر المتألهين — صفحة 243
مساهمون: السيد جعفر السجادي
ص٢٤٣