تجردها عن هذا العالم برهان عرشي . وقيل في تغاير هاتين القوتين : إن قوة القبول غير قوة الحفظ ، فرب قابل غير حافظ ؛ ولأن القبول انفعال ، والحفظ فعل ، فهما متغايرتان .
ومنه الوهم الرئيس للقوى الإدراكية للحيوان ؛ كالشوقية للقوى التحريكية له ، وأخص مواضعه آخر التجويف الأوسط من الدماغ . ومنه القوة الذاكرة والمسترجعة ، وهي قوة في آخر تجاويف الدماغ ، يحفظ ما يدركه الوهم أو بدعته ؟ ، نسبتها إليه نسبة المصورة إلى الحس المشترك ، ونسبة هاتين إلى عالم النفس ؛ كنسبة القلم واللوح إلى عالم الإنسان الكبير . وأما المتصرف فله تركيب الصور بعضها ببعض ، أو تركيب المعاني كذلك ، أو تركيب أحد القبلين بالآخر ، وله الفعل والإدراك ، والفعل له بذاته ، والإدراك لمستعمله الذي هو تمام ، فاندفع إشكال صاحب التفسير الكبير ، فإن المتصرف لا بد له من إدراك ، فيزيد به عدد الحواس الباطنية عن الخمس .
واعلم أيضا إن وحدة الذاكرة اعتبارية ، لتركب الذكر من فعل قوتين ، إدراك لاحق ، وحفظ سابق ، وكذا المسترجعة ، لتركب فعل الاسترجاع من إدراك وحفظ وتصرف بالمراجعة إلى الخزانة في تفتيش ، فلا يزيد عدد الباطنيات على الخمس كما ظنه هذا الفاضل .
وهذه القوة متخيلة في الحسيات ، ومتفكرة عند استعمال العقل إياها في العقليات ، وموضعها في التجويف الأوسط عند الدودة . ولكن من هذه القوى آلة من روح دماغي مختص بها ، وهو جرم حار لطيف نوراني حادث عن الآخلاط الأربعة ؛ كما البدن عن كدرها ، شبيه في الصفاء واللطافة بالفلك الخالي عن التضاد ، الكائن فوق العناصر القابلة للفساد والإفساد ، ولذا يحمل القوى المدركة والمحركة ؛ كالفلك يقبل آثار العقول والنفوس ، وإنما يهدي الناس إلى اختصاص كل قوة بآلة معينة ، اختلالها عند تطرق الآفة إليها ، والدليل على تغايرها وتعددها بقاء البعض دون الآخر " ( مفاتيح الغيب ، ص 504 ، 507 ) .
الحياء :
الحياء صفة انفعالية تعتري الإنسان ، تنقبض معها النفس عن ظهور ما يشبه القبيح عند طائفة مخافة أن يعاب به ويذم - وإن لم يكن قبيحا في نفسه - وهو من الصفات المحمودة في الإنسان ، لتوسطه بين طرفين مذمومين وهما : الوقاحة ، التي هي الجرأة على القبائح ، والخجل الذي هو قصور النفس وانحصارها عن الفعل الحسن . واشتقاقه من " الحياة " ؛ لأنه انكسار للقوة الحيوانية فيمنعها عن أفعالها ، فيقال : " حيى الرجل " ؛ أي انكسرت نفسه ، كما يقال : " حشى الحيوان ونسي " ، إذا اعتلت حشاه ونساه " ( تفسير ملا صدرا ، ج 2 ، ص 199 - 200 ) .
الحياة :
الحياة ؛ أي العيش ، والحيوان الحي ؛ أي الموجود ذو الحياة . وحياة كل موجود ، عبارة عن منشئية آثار ذاك الموجود . إن كل واحد من موجودات العالم متميز ومشخص عن الآخر